آخر تحديث: 2017-03-28 21:31:49

عاجل

نازحون باتوا في أحضان الـوطن!

د. جواد الزيدي

على الرغم من كل المتغيرات التي مرت فيها المسألة في لسورية بعموميتها والتسويات السرية التي تديرها قوى كبرى وإقليمية حليفة، وتبنّي العديد من الأحكام التي كانت تنافي قناعات تلك القوى بسبب الصمود السوري بمختلف اتجاهاته (حكومي وعسكري وشعبي) وحلفائه الذين يعدون هذا الصراع قضيتهم الحقّة، لكن هناك العديد من التفاصيل التي تصب في ترجيح انتصار الخندق السوري ضد خصومه، أولها اليأس الذي تردده ووصلت إليه قوى الإرهاب الموجودة على الأرض، وجناحها السياسي المنتشر في بلدان الشر الناعقة طوال اليوم بإعلام البترول الموجه، وتغيير نغمتها من إعادة هيكلة الدولة وتقويض بناها إلى حلول سياسية يشترك فيها الجميع بإيحاءات من الحليف الأكبر (أمريكا) أو أذنابها الممولين للإرهاب في شرقنا العربي، مروراً بانتهاك جميع محاولات التهدئة، وافتعال حوادث تعرقل جميع تلك المساعي، ومنها ما حدث مؤخراً في دير الزور حين قصفت مقاتلات أمريكية مواقع للجيش العربي السوري، وتسببت باستشهاد أكثر من (60) مقاتلاً، وادعت أمريكا أن ذلك بسبب خطأ في التهديف! الأمر الذي تفضحه الحقائق على الأرض. كما سمحت للعصابات في جنوب القلب (الوطن) بانتهاك السلم الأهلي وتسويغ الاعتداء على المدنيين في المدن الآمنة، وتمرير السيارات المفخخة وتفجيرها عند الحواجز في المدن والبلدات الآمنة. كل هذه الإشارات لا تشي بالقوة، بل بالضعف والوهن الذي وصلت إليه قوى الشر والإرهاب وحلفاؤها على الأرض.
وقد تقف في مقدمة الأسباب الإيجابية والحقيقية في تفتيت مشروع الآخر وأكثرها أثراً في حسم جزء كبير من النزاع وخلخلة القناعات لدى العديد، عودة النازحين إلى بيوتهم التي هجِّروا منها بسبب المسلحين، أو الفرار إلى حضن الوطن بشكل دائم، واتساقها مع عودة المسلحين إلى الحاضنة الوطنية بعد تسليم أنفسهم وأسلحتهم إلى الجهات الحكومية المختصة، بعد اكتشاف كذبة الآخر المعارض لمتبنيات الحياة السلمية والشارع بالانسياق نحو ماكينة العنف والقوة المفرطة وتسويغ الصراع بحجج واهية انكشف زيفها مؤخراً، وملل هذه العوائل التي كانت تقف عند حدود الوطن أو في مخيمات اللجوء البائسة التي تستخدمها تلك القوى ورقةً ضاغطة على محور المقاومة، والتصريح بالتقسيم وتقويض الثقافة المحلية والبعد الحضاري واستهداف الذات العربية ومتبنيات كثيرة ترعاها فكرة جديدة وافدة على الشرق العربي من أجل تفتيت ثرواته وقواه العسكرية التي بدت واضحة للجميع.
إن هذه العودة هي ملمح لصوت جديد ينطلق من الداخل السوري على الصعيد الشعبي الذي يقاوم صيغ الوهم التي ملأ بها هؤلاء الأدعياء رؤوس المواطنين، وغيبوا صورة الوطن الحقيقي -ولو بعض الوقت- ولكن الوصول إلى حالة الحسم بين كل المتناقضات بعد مرور خمس سنوات على الهجرة القسرية وفرضياتها العدوانية من قبل مشعلي الحرائق وإملاءاتهم على المواطن؛ مرة باستخدام قوة السلاح، وأخرى بالغواية التي يدعمها الوهم. الوهم ليس بمفهومه الذي ينتاب حياة الإنسان ضمن مرجعيات العقل الجمعي، بوصفه (أي الوهم) علاجاً للفعل الداخلي وفضاءً روحياً نحتاجه من أجل استمرار الحياة وآمال المستقبل.. ولكن أوهامهم جزء من صورة الكذب والنفاق وتزوير الحقيقة التي اكتشفها العائدون بعد دخول المعترك الحقيقي ولحظات الجوع والعوز، وما أفضت إليه السنوات الخمس الماضية من بيان صدقية تلك القوى أو زيف مقولاتها السابقة.
إن عودة (3000) نازح قبل عيد الأضحى فقط سواء كان على شريط الحدود أو في مخيمات الداخل التركي هو مؤشر البوصلة على بداية الانتصار على الإرهاب الدولي الذي يتخذ من قناعات الناس وعقائدهم مسوغاً لاستهداف حياة الشعب وبنى الدولة واقتصادها، وعلى اندحار كل قوى الشر بشرقها وغربها وخلاياها في قلب الوطن ومشاريعها الظلامية، هذا الانتصار الذي تعلنه الأسابيع الأخيرة من العام الحالي استناداً إلى حكمة الشعب السوري في تحديد المصير والوقوف مع سلطة الحق، ويعلنه هؤلاء العائدون عندما أحرقوا كل خطوط العودة بلا رجعة، حينما حملوا أمتعتهم كلها، من دون النظر إلى الوراء، للعودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل هذا الموعد.. إنني على يقين أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من المبادرات الساعية للالتحام بما يجب أن يكون، ونحن نحث الخطا إلى الأسابيع القليلة من عمر هذا العام، وما هذه المحاولات إلا نافذة صغيرة في عمق النفق الذي سيضاء حتماً في النهاية.
كاتب عراقي

print

مقالات ذات صله