آخر تحديث: 2017-06-28 22:56:15

عاجل

سياسة حافة الهاوية

لندن- بقلم: د. عبد الحميد عباس دشتي- كاتب كويتي

الاجتماع الذي تداعت إليه كل من أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية وإيران لوقف إطلاق النار في سورية وقد تم التمهيد له باللقاء الروسي- الأميركي في لوزان الذي يعتبر الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهات لا يريدها أحد، بل ليس بمقدور أحد في ظل الأوضاع الخانقة القيام بها والتي بلغت مستوى من التأزيم, لا يجر المنطقة فحسب إلى حروب تدميرية وإنما العالم أجمع. لكن هذه الدعوات تزامنت مع تصعيدات غير مسبوقة بإعلان اوباما تزويد المسلحين بأسلحة نوعية «وإذا استدعى الأمر فإن أمريكا مستعدة للتدخل المباشر» حسب قول اوباما لكن ليس للدفاع عن الأمن العالمي بل لتمكين الدواعش والنصرة من السيطرة على الرقة لتهيئتها أمام الفارين من الموصل التي بدأت معركة تحريرها، هذا التلويح الأمريكي اعتبرته روسيا موجهاً ضدها، وأعلنت أنها سترد عليه بما يوازيه أو يفوقه. وهذا ما يتجنبه العالم في هذه المرحلة.
هذا التصعيد يبرر لعقد اجتماعات موسعة لكنها كالعادة لن تخرج إلا بتسويات لن تقدم أو تؤخر في المواجهات على الأرض السورية وإن كانت تحد من تطور المواجهة الشاملة، ولكسب المزيد من الوقت للاستمرار في المشروع التدميري.
في كل الأحوال ومع أي نتيجة كانت لهذه الاجتماعات، فإن محور المقاومة وفي مقدمته سورية التي تجري على أرضها أشنع وأشرس أنواع الحروب، وهي المعنية أكثر من أي دولة أخرى لم ولا تمانع بعقد أي اجتماع طالما أنه سيوقف إراقة الدماء والتدمير، لكنها بالتأكيد لن تقبل بأي تسوية أو صفقة أو لعبة أمريكية جديدة تستفيد منها على حساب وحدة الاراضي السورية وسيادة الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره في ظل قيادته بعد أكثر  من خمس سنوات طاحنة أثبت خلالها مدى صلابته واستعداده للمضي إلى المدى الأبعد لإسقاط مشروع التقسيم خصوصاً وأنه يحقق انتصارات ميدانية وسياسية أدهشت العالم.
فالمشهد في الميدان كما في المحافل الأممية لم يعد كما كان عليه قبل شهر ونيف، فبعد أن منيت    أمريكا عسكرياً بهزيمة في سورية، منيت أيضاً بهزيمة سياسية بإزاحتها عن موقع السيطرة على مجلس الأمن الذي كان ألعوبة بين يديها، وما حدث مؤخراً هو انعطاف حاد وجاد في مسار الأحداث ليس فقط في سورية وإنما على مستوى الخريطة السياسية العالمية. وفي هذا المجلس الذي كان طوال أكثر  من ربع قرن محفلاً أمريكياً بوضع اليد، تصول وتجول فيه مؤيدة من الدول المستتبعة لها وتشرعن المجازر والكوارث التي ترتكبها في أي مكان وتكون القاضي والجلاد لأي دولة تخرج عن بيت طاعتها. وهذا يعني أنه لا حل سياسياً في المستقبل المنظور، والحل كل الحل في الحسم الميداني, وليس بسياسة حافة الهاوية التي لجأ إليها محور العدوان . إن انكفاء  أمريكا بعد سقوط مشروع القرار الفرنسي الذي صاغته هي، وحتى عدم نجاح مشروع القرار الروسي بالاحتكام إلى الفيتو.. أحدث تحولات لم يعد بإمكان أحد التغاضي عنها سواء كانت على مستويات جذرية أو تفصيلية. ورغم هذا فإن هذه التحولات لا ترقى إلى التعويل عليها كثيراً لحل الأزمة في سورية التي ما زالت على مسارها مع حلفائها لتحرير كامل التراب السوري على الرغم من الموقف الذي بدا أنه مفاجئ من مصر التي صوتت لمشروع القرار الروسي ما أعاد مصر عبد الناصر إلى اعتبار سورية عمقاً استراتيجياً وظهيراً تاريخياً لمصر بصرف النظر عما أحدثه من خلافات بينية بينها وبين مملكة آل سعود الوهابية، وهذا هو الوضع الطبيعي أو المفترض أن يكون مع دولة اعتادت على شراء المواقف بالمال أو «بالرز» حسب تعبير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لكن آل سعود اعتبروه موقفاً خيانياً من منطلق أن كل من تساعده في قضية ما يجب أن يكون تابعاً ذليلاً لها ومؤيداً لكل جرائمها.
وهنا تجدر الاشارة إلى مصر بعد أن كشر آل سعود عن أنيابهم وأمعنوا في التدخل في شؤونها الداخلية وافتضح أمرهم فلم يعد بإمكانها الاستمرار في تبعيتها للسعودية خصوصاً وهي تراها تتهاوى اقليمياً ودولياً وتصنف بأنها وراء كل الكوارث المدججة بالفكر الارهابي الوهابي والتمويل الملياري لكل الجرائم التي تحدث في أي بقعة من العالم.
ولو اعتبرنا هذا التحول مرحلياً وورقة لا تتعدى الملعب السياسي لهدف ما، فإنه في كل الأحوال موقف متقدم تستطيع مصر بعده وفي أي وقت أن تمارس سيادتها في بلدها حتى بعد تهديدها بقطع النفط عنها فهناك بدائل متاحة ومصر تعرفها، وهذا ما نأمل باستمراره لتكون بالفعل أيضاً دولة «خير أجناد الأرض».
هذه المفاجأة السياسية كانت دون شك كبيرة من دولة تعاني ما تعانيه من تدهور اقتصادي لكنها تدل على أمرين، الأول هو أن مصر بدأت في مسار الاعتماد على النفس وعلى الحلفاء الحقيقيين، والثاني هو أن السعودية التي تمنح المساعدات الكلامية ولا تفي بها كما يجب أوغلت في الأمور المصرية الداخلية بواسطة طوابيرها أكثر  من المسموح، لكن من المفترض ان تترجم في الميادين سواء كانت مصر تريد استعادة موقعها الريادي على مستوى العالمين العربي والإسلامي، أو تريد أن تكون سيدة قراراتها وتحفظ هيبتها أمام المنّة السعودية المهينة.
اما الموقف الطبيعي الآخر- وهو متوقع – فقد جاء من روسيا التي استكملت مسارها في المحفل السياسي مكرسة موقعها الجديد في مجلس الأمن الذي اختطفته أمريكا طوال ثلاثة عقود. وأكملت موقفها بالخطوات العملية على الارض السورية وبموافقة القيادة السورية لناحية تعزيز وجودها العسكري النوعي من خلال انشاء قاعدة طرطوس الاستراتيجية وليس بسبب ما يروج له الإعلام الغربي والعربي المأجورين لأصحاب المشروع التقسيمي بأنه ضمن الاطماع الروسية في المنطقة والبحر المتوسط، بل لردع  أمريكا واتباعها من القيام بأي مغامرة من المؤكد أنها ستكون وخيمة العواقب. وأكملت هذا التعزيز بسياسة «الأوراق المكشوفة» مع تركيا بحكم المصالح التي تربط البلدين، وفي ظروف تشهد فيها علاقة تركيا بأمريكا توتراً لاتهامها بتمويل الاكراد. لقد وضعت ملف المصالح البينية معها مقابل موقف ما يخرجها جزئياً من مشروع محور العدوان إما بحياديتها أو بإغلاق حدودها في وجه تدفق الارهابيين إلى الاراضي السورية، والموقف الأخير وإن بدا مستهجناً من دولة ضالعة حتى العظم في المؤامرة سيصيب محور العدوان في مقتل الذي كان هدفه الدائم اطالة امد الحرب وإرهاق سورية وصولاً إلى قبولها بمرحلة انتقالية ومشاركات فصائل تلطخت ايديها بالدماء السورية حتى وإن تغيرت مسمياتها، وهذا هو أحد مندرجات مشروع القرار الروسي الذي كشف الغطاءات الأميركية – الأوروبية والعربانية ( السعودية وقطر) للدواعش والنصرة بأسماء «الدلع» السياسي والإنساني.
هذه الهزيمة الأمريكية في الميدان السوري هي أولاً نتيجة لخرق أمريكا لاتفاقها مع روسيا بين ليلة وضحاها، وهو اتفاق استغرق الاعداد له منذ فترة طويلة أي منذ لقاء بوتين واوباما في المكسيك، وجاء إلغاؤه تحت ضغط صهيوني تضرر من عملية الفصل في تصنيف الارهابيين، ووجدوا فيه أنه سيتركهم وحدهم محاصرين في محيط مقاوم، أي على العكس تماماً من مشروع التفتيت الذي كان الكيان العبري ومازال يعمل عليه ليكون سيد المنطقة بلا منازع بعد أن كان يحلم بالقضاء على سورية.
إن التطور الجديد في مجلس الأمن دفع بأمريكا إلى الانتقال إلى مرحلة خطرة تنذر بمواجهة مدمرة تهدد الأمن العالمي من خلال نشر الدرع الصاروخية في اوروبا والمحيط الهادئ وهي الدرع التي تجاوزت خمس مرات المهمة الدفاعية التي تدّعيها أمريكا بمعنى أنها درع هجومية، لكن من الطبيعي أن يقابل من جانب روسيا مؤيدة من الصين بخطوات عسكرية تحافظ فيها على توازن الردع باستخدام اسلحة استراتيجية توازي اسلحة الدرع الصاروخية النووية، ومع هذا التطور وان بدا خطراً للغاية خصوصاً إذا وصلت كلينتون إلى سدة الرئاسة وهي التي تجاهر أنها رئيسة حرب وتريد استعادة الهيبة لأمريكا  كما فعلت عندما كانت وزيرة للخارجية، وقد قام ويكيليكس بتسريب وثائق عن مواقفها واعترافاتها بتبديد 500 مليون دولار لتدريب المسلحين في سورية لكنها وحسب قولها « لم تحصد إلا خيبة الأمل». رغم كل هذا فإن محللين استراتيجيين يرون أن ما تقوم به  أمريكا وروسيا يبقى في اطار تبادل رسائل القوة.
وعودة إلى الصراع الدبلوماسي في مجلس الأمن فقد كان امتداداً لما يجري في الميدان السوري وقد أسفر عن إرساء عناصر جديدة في المشهد الدولي وأبرز من الدلالات والعبر ما يمكن الوقوف عنده والبناء عليه. وهكذا تحقق التوزان السلبي أو التعادل الدولي السلبي في مجلس الأمن من حيث عدم القدرة على فرض القرار. وإن كان محور العدوان ما زال يملك الأغلبية العددية، وهذا ما يخشى منه على أمن العالم وسيادة الدول.
إن خسارة فريق العدوان على سورية في مجلس الأمن، يحمل مسؤولية كبرى للدول والشعوب التي تريد أن تحفظ استقلالها وسيادتها. وهنا يأتي دور الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية الشعبية لتقوم بدورها في كشف غطرسة وجرائم دول محور العدوان أمام الشعوب، ليس فقط في ما يحدث في سورية وإنما أيضاً في ما يحدث في البحرين والعراق واليمن، وآخرها الجريمة الشنعاء التي ارتكبتها السعودية في صنعاء وقتلت مئات المدنيين في غضون 10 دقائق، وهي الجريمة التي احدثت زلزالاً عالمياً ضد مملكة الإرهاب على مستوى الدول والمحافل الرسمية والشعوب، وهذا يعني أن مرحلة جديدة من الحسابات والعقوبات قد بدأت ضد هذه الدولة المارقة ولا بد أن تدفع ثمن جرائمها بعزلها عن العالم كلياً وفرض عقوبات رادعة وباهظة عليها.
ثم إن مثل هذه الجريمة كشفت أن من يتبع سياسة العويل على حلب والذي وصل إلى مشاركة صهاينة الكيان العبري في صلاة تلمودية على أهلها ليس إلا كذبة ضمن سيل الاكاذيب التي تصدر بين وقت وآخر من العواصم التي تدّعي التحضر انسانياً وحيوانياً.
ففي الوقت الذي تستمر فيه مملكة آل سعود في تبرير جرائمها وآخرها فعلتها الهمجية في صنعاء أمام العالم وقد بدت بعض دوله في تقبل هذه التبريرات على مضض لكنها لن تجرؤ على تغطيتها أمام استنكار شعوب العالم. ولهذا تركت هذه الدول مهمة الشجب والاستنكار للأمم المتحدة عبر تصريحات ادانة غير مسبوقة لها. ولتبيان المفارقة كانت سورية تقدم ضمانات لإنهاء أزمة حلب وأهلها وهي كافية مع ما عرضه دي ميستورا من خطة لإخراج المسلحين ووافقت عليها سورية و روسيا، وقد اثمر فتح باب المصالحات في عدة بلدات مهمة إلى عودة المسلحين السوريين إلى كنف الدولة بعد تسليم سلاحهم لأن محور العدوان تخلى عنهم تمويلاً وتسليحاً، لكن غي هذا المحور لا يرى المواقف مثل هذه المواقف الإنسانية. وقد تكشف أنه لا يبكي على حلب وقتلاها الافتراضيين إنما على هزيمته فيها وعلى مصالحه التي عجز عن تحقيقها. ما يعني أن التسويات التي كانت مرتقبة وقد عول عليها كثيرون قد فشلت فشلاً ذريعاً ولم يعد إلا الصمود وتكثيف الضربات هو الطريق الوحيد لإنهاء جميع الارهابيين ومن ثم إنهاء الحرب وعودة سورية موحدة.
مع كل هذه التطورات فإن القيادة السورية والجيش العربي السوري وظهيره الشعب لا يعولون على يقظة ضمير هذه الدولة أو تلك مع أن هذا مكسب لهم لكن زمن المراهنات على أي قوة خارجية قد ولى ولهذا فقد صمموا أكثر من أي وقت مضى على المضي في تحرير الارض السورية لصنع الانتصار الذي حقق لهم ليس فقط احترام العالم وإنما احدث تغييرات مهمة في موازين القوى. وعلى هذا الشعب التوجه إلى حوار وطني يحصن الدولة ويرسي قواعد العدالة فيها من دون الالتفات إلى مصالح أي آخر.

print

مقالات ذات صله