آخر تحديث: 2017-10-17 00:50:34

عاجل

“رد القضاء”… إرادة وتصميم وصمود وشهادة

نجوى صليبه – تشرين أونلاين:

كعادة أمهاتنا، يتأملن الخير وينتظرنه على أحرّ من جمر “تنور” ينسجن مع أرغفته، حيوات أبنائهن ويسعين إليه بما استطعن إليه سبيلاً، ولو بقراءة كفّ تنبههن من خطر قادم، وتفرحهن بنجاة مرّت سريعاً، لكن هذه المرّة غير كل مرّة، هذه المرّة تنبأت إحدى أمهاتنا بشر قادم “فدوى محسن”، فكفّ “أم حاتم – جولييت عواد- ” قال مالا يروق لتلك العروق المتوقّدة للمس عروقها المتفرّعة في أنحاء الوطن، تُجرح وتُدمى وتضمد نزيفها بدم يقول في كل ظرف وفي كل حال “فدا الوطن”..

وكعادة أمهاتنا، لم تستلم “أم حاتم” لكفها ولا للقضاء المكتوب، قال بالفم الملآن: أنا سأردّ القضاء.. وهل هناك من يقدر على ردّ القضاء؟؟.. تجيب “أم حاتم”: نعم هناك من يرد القضاء سأسأل الله أن يردّ القضاء.. مارح أسمح للحرب تاخود مني أولادي”..

تقول عبارتها، وتذهب لخطبة “سمر” لابنها “حاتم- مجد فضة” مع تخوّف والده “عبد الرحمن أبو القاسم” من رفض والديها “اسكندر عزيز وسناء سواح”، فـ”حاتم” بطل من أبطال سجن حلب المركزي يقاتل ويدافع عن سجناء أخطأوا فيما مضى بحق الناس والوطن، لكنهم سوريون والسجن أرض سورية لن يفرط بها “حاتم” ولا أي بطل من حامية السجن، كلهم بالصوت الواحد: هاد السجن قطعة من أرض هالبلد.. مارح نطلع منها لتطلع آخر روح فينا”.. تخبر “أم حاتم” ولدها بالخطبة وفي  كل اتصال تطلب منه أن يعود حياً من السجن، ويعدها في كل مرة أن يعود حياً من السجن.. وهاهي “سمر” لـ”حاتم” الذي يحتفل مع رفاق السّلاح بالمرح وحس الدعابة التي اعتدنا رؤيتها في مقاطع فيديو وصلتنا من أحبابهم وأصدقائهم سجّلوها في لحظات وداع أو لحظات ضجر وربما لحظات يأس أو أمل..

لحظات لم تطول، فالشّر يقتنص الفرح، والإرهابيون تربّصوا، وخططوا، واقتنصوا ما استطاعوا من حيوات أبطالنا، استهدفوا مشفى السجن بحقدهم، فما بقي منه ومن الأدوية إلا القليل القليل، حاول الطبيب الوحيد في المشفى “عامر علي” إنقاذ مايمكن إنقاذه، ليأت أحد السجناء ويطلب منه الابتعاد وترك المهمة له فالمشفى بحاجة إليه ولايمكن الاستغناء عنه، وهكذا بإمكانيات بسيطة ومعدات صار يخترعها لعلاج أبطال السجن كتلك التي اخترعها من أجل “تفجير صدر” أحد الأبطال لإنقاذه من ارتقاء محتم، هو بطل يضاف إلى أبطال كثر أبوا أن يفترشوا الأسرة رغم الجراح، وهو الطبيب الوحيد لولا وجود طبيب أسنان يغمى عليه كلما رأى جرحاً ليعتاد لاحقاً على الوضع ويكون فاعلاً وعلى قدر الحاجة..

حوارات تدور هنا وهناك، واتّصالات من مدير السجن تطلب الدعم من القيادة ليأت الرد بتمني الصبر وبأن العون قريب، وجدل يتطور ويحتدم يصل إلى الشك ربما أو الصدمة على انسحاب إحدى القطع ولجوئها إلى السّجن، حقيقة تأتي على لسان الممثل مروان أبو شاهين بأنّه لو لم ينسحب وقاوم إلى آخر لحظة لكان النصر أكيد.

حصار سجن حلب المركزي، أدّى إلى تأزم حاله من جميع النواحي، من الأكل والشرب والدواء والكهرباء والبرد، البعض استشهد من البرد والآخر من الجوع والآخر من المرض، ويبقى النصيب الأكبر لشهداء الجيش العربي السوري الذين قاتلوا بأسلحة بعضها غير صالح للاستخدام كالقذيفة التي أراد أحد الجنود إطلاقها لكنها لم تكن صالحة وظل يحاول لحين أخذت ما أخذت من جسده.. هذه الحقيقة تأتي على لسان “جعفر” حين وصف لمدير السجن مالديهم من أسلحة على السطح وفي السجن، لكنه لم يقف متفرجاً حين فخخ الإرهابيون “تريكس” وأرسلوه إلى السجن، هناك قضى “جعفر- لجين إسماعيل” على الإرهابي الذي يقوده، وانطلق مع رفاقه إلى تفكيك مافيه من قطع وأسلحة صالحة استخدموا لاحقاً في زرع الطريق بالعبوات وقضت على ماقضت من إرهابيين كانوا زرعوا عيون لهم في السجن منذ زمن وزودوهم بأجهزة اتصال لينقلا إليهم ما استطاعوا من أخبار وتحركات الجيش داخل السجن، إضافة إلى أنهم ارتكبوا جرائم بحق السجناء العزل وذلك بإشعال حريق في إحدى الزنزانات..

هو الموت من كل حدب وصوب، بدا بثلاثة شهداء وانتهى بالكثير الكثير، صارت الأرواح أرقام يسجلها كل يوم “جهاد الزغبي” بحزن يكاد يقتله، عمل جعله يقول: “صرت مخبي الموت متل وحش بصدري، متل وحش تحت سريري، كل يوم لازم جبلو كم جثة باكل منها الروح ليشبع وماياكلني”… نفس شفافة تقدر الأرواح والأصدقاء، تحترم المهنة وتقدسها، وتحزن على شباب الوطن، لكن على خلافه نجد أحد العابثين بأمن وراحة السجناء، فالليث مفتي يستغل رتبته لابتزاز السجناء غير موفراً أي طريقة ولو بفعل الرذيلة، لكن مطلب لم يتحقق برفض السجين لذلك وإخبار قادته بأفعاله حال دون ذلك، ليكون مصير الخائن نزع رتبته وإعفائه من كل مهامه، لكنه يبقى مرافقاً ممتعضاً لكل نصر يحققه أبطال الجيش، لاسيما بعد صفقة أنجزوها مع الإرهابيين من أجل السماح للصليب الأحمر باستحضار المساعدات الطبية والغذائية، وذلك من خلال سحب “جيفاتهم” والمقايضة بها..

اشتباكات ومعارك ومفخخات، وانتصارات وشهداء، وقصص حب نشات خارج السجن واستمرت غير معروفة النهاية كحال “حاتم” الذي لم يعلم بأن “سمر” ستزف إلى رجل آخر، وأخرى نشأت داخل السجن، كما حصل مع “جعفر” محبوب السجينات جميعاً، لكن تبقى أحداهن تحبه أكثر “صابرين – روجينا رحمون”، وهي التي دخلت السجن لقتلها زوجها الذي أراد أن يستغلها، وهي التي نسجت له “كفوف” ليحمي يديه من البرد ويستمر في الدفاع عن السجن ويبقى قادراً على احتضان سلاحه لآخر لحظة، وهناك في الغرفة الفقيرة المشرعة للفضاء، يقتنص “حاتم” حب “جعفر” للسجينة، متسائلاً كيف يتزوج من قاتلة، ليصرح “جعفر” بأنه سيتزوجها في السجن في الصباح التالي، وينهي حديثه بالقول إن الحياة لامنطق فيها ولا عدل والقتل قتل مهما كان الدافع لكن الأمور نسبية، يقول: فيك تكون مجرم وفيك تكون بطل… فيك تكون شهيد وفيك تكون جثة عادية.. متل الحياة فيها تكون إرادة وتصميم وصمود، وفيه تكون ببساطة حظ أو قضاء أو قدر.

هكذا تحدث، وهكذا صمم، فكان ما أراد شهيداً لا جثة عادية، شهيداً زفه الرفاق وزفته الحبيبة، كما زفته أمطار حلب من قبل أيام.. و”حاتم” أيضاً بطل كتب له أن يفي بوعده لوالدته فرد القضاء كما رفاق السلاح وفك الحصار عن سجن حلب المركزي، وخرج حياً منه لكنه أصيب بشلل نصفي حال دون عودته إلى أرض المعركة لاحقاً، ليتفاجأ بأن من عاد لأجلها لم تستطع رد القضاء عنها وعن بقية أبنائها، فالإرهابيون استطاعوا دخول الزارة في حمص وأعدموا أسرته بالكامل في قلعة الحصن..

فُك الحصار عن سجن حلب المركزي، بصمود أبطال الجيش العربي السوري، وتكاتف وتعاون سجناء وعوا حقيقة أن الوطن بحاجتهم أينما كانوا وبكل السبل المتوفرة، وبفك الحصار توالت علينا الحكايا والأحداث والقصص والروايات، ومنها حاك المخرج نجدة إسماعيل أنزور فيلمه “رد القضاء- حصار سجن حلب المركزي”، تأليف الكاتبة ديانا كمال، الدين الذي أطلقت المؤسسة العامة للسينما العرض الرسمي الأول في دار الأوبرا بدمشق،الجمعة، وتلاه عرض آخر، يوم السبت، وذلك بالتعاون مع مجموعة قاطرجي.

أما حكاية أنزور، فجسدت بعض الأحداث والقصص الحقيقة، كقصة الشّرطي حاتم عرب، الذي تمّ تكريمه في العرض الرسمي الأول بوجود وزير الداخلية اللواء محمد الشعار، وليتمّ تكريم الأبطال البقية من خلال عرض صور لكوكبة من شهداء الجيش العربي السوري أثناء الدفاع عن السجن وفك الحصار، وعرض صور كوكبة من أبطال الجيش الذين كتبت إرادتهم قضاءهم بالحياة والعودة إلى أمهاتهم بعد سنة من حصار مرير… أبطال حقيقيون يكتب عن كل بطل فيهم الأفلام والروايات والمسلسلات، لكنها بقيت صور في نظر الكثيرين ممن حضر وانتظر الفيلم، فالأحاديث والهرج والمرج، فوّتت عليهم قصص وحكايا حقيقية ترويها عيون حقيقية أسدلت ستارها إلى الأبد، وسواعد قبضت بجمرها على ثلج الحديد، وابتسامات جف ريقها، وانتظروا حكاية السّينما، لتروي لهم ماكانت تلك العيون تحكي وتلك الابتسامات تبكي، وذاك الرّاقص كيف يعزف لحن وداعه إلى الأبد..

“رد القضاء” عن سجن حلب المركزي يتزامن مع التقدم الذي يحققه الجيش العربي السوري، اليوم، أيضاً في حلب.. إذا القضاء يرّد مرتين، وسيردّ كل يوم بإرادتنا وتصميمنا وتعاوننا..وهي الرسالة التي أراد لها نجدة أنزور أن تصل للجميع، يقول: اعتقد الإرهابيين التكفيريين والتنظيمات الإرهابية المسلحة أنه باستطاعتهم أن يكونوا قضاء لا مفر منه، لكن الشعب السوري وقائده وجيشه البطل بإرادتهم وتصميمهم ردّوا هذا القضاء.

وكما رُد القضاء عن سجن حلب المركزي بأقل الإمكانيات وبخيرة الشباب وبجنود بقي بعضهم حتى اليوم مجهولين بالنسبة إلينا، تمّ “رد القضاء” بلغة بسيطة قريبة إلى روح السوريين وأحاديثهم اليومية على لسان خيرة الممثلين، على الرغم من عدم اعتماد أنزور على ممثلين مخضرمين، بل اعتمد اعتماداً كلياً على ممثلين شباب وخريجين جدد أيضاً لايسعنا ذكرهم، لكنهم جميعاً كانوا أبطال الفيلم بلا استثناء، وجسدوا فكرة العمل الجماعي خير تجسيد، حتى ضيوف الشرف كـ فايز قزق، جمال العلي، أمجد الحسين، عبد الله شيخ خميس، الذين أدوا مشاهد قليلة لكنها كانت مؤثرة تفاعل معها الجمهور الذي امتعض قلّة منه من ورود كلمات -رأوها نابية- لاسيّما عند مرور السجينات من أمام زنزانات السجناء الذين تلهفوا للمس امرأة، ليأت ألم ووجع إنساني آخر على لسان فايز قزق: صرلي 15 سنة مالمست امرأة، لكنهم عبروا عن ذلك باستهجان لطيف اتبعوا بضحكات تناثرت مع الوجع والألم وربما الأمل..

القضاء الذي أراده إرهابيون سوريون –للأسف- وعرب وأجانب رُد بسواعد أبطالنا وبدماء شهدائنا وصحوة بعضنا، وهكذا يُرد القضاء دائماً..

print

مقالات ذات صله