آخر تحديث: 2017-05-26 12:19:48

وما أمرّها من لقمة عيش!

مختار عيسى

تبرّع أحدُ مَنْ كنتُ أعدّهم أصدقاء وأسبغ عليّ من كرِم خلقه بوصف انحيازي لسورية الدولة والشعب بما أحزنني، لمجرد أنني أكتب في «تشرين».. وأقول لمن اختار أن يخرج من حقل الصداقة إلى ساحات العداء أو الاستعداء: لست غبياً لأضع شرفي المهني على منضدة تشريح لاختياراتي وانحيازاتي الموقفية محاولاً استرضاءه والحصول على البُرء مما توهّمه مرضاً بدواء يصفه بصلفه لي؛ لعلي أشفى من الانحياز للعروبة، والدفاع عن أمنها القومي، والوقوف بصلابة شواخص التاريخ علامات بارزة على حضورها في كل مقال لي أو قصيدة أو لقاء تلفازي أو صحافي أو ندوة عامة.
أنت واهم إن تصورتَ أنني سأبدل موقفي استرضاء لجلال حضورك النفطي متسولاً رضا أصحاب البئر التي لا أشك في جاذبيتها ولا في صدق ونقاء بعض أصحابها، وقد عشتُ تحت سطوتها سنيناً، ولكن من دون أن تتبدل كلمة واحدة لي، أو يتغير رأي، أحببت الناس وأحبوني، ووثقت بهم ووثقوا بي، وخروجي كان باستقالة أصررت عليها وتكرر الإصرار مرات عدة، لا لشيء إلا لأنني وددت العودة إلى بلدي في وقت التغيير العظيم، ولم أهتم بما فقدته من راتب كبير تعجز أنت عن الحلم به، وهنا معنى لن تدركه وأصحابك ممن انزعجوا لدعوتي إليهم أن نكون معاً جميعاً في صف أوطاننا، وألا ننساق وراء محاولات التفتيت، وتأكيدي أكثر من مرة أن التغيير مطلب مشروع وأن الديكتاتورية مرفوضة، وأن كل قطرة دم عزيزة ولا نفرح أبداً إن سالت من مؤيد أو معارض.
تظل هذه المعضلة بتجلياتها اللاأخلاقية تحكم المشهد الثقافي العربي، وهو المبدأ «البوشوي» غير المأسوف على غيابه من المشهد السياسي الدولي جورج بوش الابن؛ حيث راج ما دعا إليه (فإن لم تكن على خريطتي تسير فنفيك قرار الجغرافيا والتاريخ، وإن تبنيت ما أقول فأنت رسول الفكرة ونبي المبدأ). والمصيبة الأعظم فداحة أن أحداً لا يفكر لحظة بصدق في موقفه هو، ولا يراجع رأيه، وهو أمر مطلوب؛ حيث تنفتح الصفحات على ما كان يخفى، أو تتناسل معلومات كانت التعاتيم الإعلامية تحجبها عن عين الوعي، فالمراجعة أساس من أسس التفكير المنهجي، وهذا ما حدث لي وللآلاف بل الملايين غيري حين تبدل الموقف من تأييد مطلب مشروع في التغيير وهو ما لا يمكن لعاقل أن ينكره، إلى إدراك لعبة استغلال هذا التغيير في إسقاط الدول، وتمزيق الخرائط، وخدمة الكيان الصهيوني المغتصب، وبرعاية دولية من قوى الاستكبار العالمية وبتمويل من بعض الخونة من ملوك وأمراء الدول العربية.
لا أريد لكَ أن تبرأ مما أنت فيه، فأنا أدرك أنك لا تستطيع وقد حوصرت بعيداً عن وطنك أن تجابه رؤى من حاصروك، أو ترفض رأي من يقدمون لقمة العيش وما أمرها، ولكني، باسم إنصاف أرجوه لذاتك أولاً، ولوطنك الذي لا يناصبك العداء وإن ناصبت نظاماً فيه، أن تتخلى عن واحدية الرؤية، وأن تفسح لعقلك بضعة سنتيمترات من الحرية في النظر إلى الأمر بتجرد: هل ما يجري في وطنك معارضة لا نماري في حق كل إنسان فيها؟ هل كل هذه الأسلحة قدمها النظام الذي تعاديه أو تنحاز إليه -لا فرق- إلى معارضيه؟ من أين تأتي كل هذه التماويل والإمدادات؟ ولحساب من تعمل كل الجماعات الإرهابية كما أصفها أنا؛ وكما تطلق عليها أنت «المعارضة الوطنية»؟ بربك قل لي: هل وطنيٌّ من يرفع سلاحاً في وجه مواطن مثله لمجرد أنه يخالفه الرأي؟ سأسلم جدلاً بأنها معارضة، وأن النظام لا يمنحها الفرصة.. ولننظر إلى نتائج ما تحقق على الأرض: أكَسِبتْ المعارضة؟ أكَسِبَ النظام؟ أليس الكل على أرض سورية يدفع الثمن الفادح ومن يقبضونه على وثائر الأرائك يتكئون في بلاد تبدد ثروات الله الواجبة التوجيه لخدمة ورعاية الإنسان لا لتدميره وتخريب بلدان بأكملها؛ إرضاء لذات متورمة لحاكم لا يعجبه رأي أو موقف لحاكم مثله؟.. قل لي بريك من الكاسب من كل هذا؟.
باسم الحرية التي تحلم بها وأنا أول الحالمين معك.. باسم الديمقراطية التي تراهن كمن لم يتعظ من إحلالها في العراق المنكوب على ظهور الدبابات الأمريكية ويحاول الإحلال في سورية وليبيا واليمن ومصر بالطريقة ذاتها.. باسم الإنسان وأحلامه في غد أفضل، هل ما يجري في بلاد تنفطت عقول حكامها قبل أراضيها يقدم هذه الأحلام لمواطنيها؟ هل وَثوقٌ أنت بأن ممالك وإمارات النفط التي تمول الإرهاب في وطنك حريصة على تحقيق ما تروجه الميديا من حرصها على حقوق الإنسان؟، ليكن التغيير مطلبنا جميعاً، ولكن ابحث- يا من ضننت على نفسك بالصداقة- عمن يشتري وقوفك ضد وطنك لمجرد أنك باحث عن لقمة عيش، هل يعرف حقاً معنى الإنسان؟ الأمر ليس مسألة رئيس هنا وآخر هناك أو غيرهما.. إنها الدول والشعوب، إنها مصائرنا التي يهددها المرتزقة والعملاء والخونة والممولون من كارهي العروبة وإنه الهدف الأمريكي- الإسرائيلي الأعظم.. فهل أدركت الآن؟ لا أنتظر إجابة.. فكما قلت هي لقمة العيش في كنف «كفيل» وما أبشعه من كنف وما أمرها من لقمة!.
كاتب مصري

Author:

print

مقالات ذات صله