آخر تحديث: 2017-02-24 10:32:20

عاجل

التزييف والتنـاقض في الخطاب الإعلامي القلاب والقاسم وقريش نماذجَ

د. جواد الزيدي

من الأسباب التي تجعل الكاتب موضوعياً هو الحياد وإن ارتمى قليلاً بحضن الذات التي تؤمن وتفلسف الأحداث والظواهر، ولكنها لا تفقد المنحى الأخلاقي للمهنة أو للخطاب نفسه، وإن ما يصلنا من مواقف وآراء في النهاية لحكومات أو أنظمة أو مؤسسات أو أشخاص يتجسد من خلال الإعلام بمختلف اتجاهاته ونياته أيضاً، ومهما كان موقف الكاتب أو الإعلامي أو حتى السياسي الذي تتمظهر مواقفه بشكل أوضح لكونه يمثل أيديولوجيا أو رؤية نظام، لكنه لا يخصص وقته وتفكيره لقضية واحدة تتكرر سنوات طوالاً، ونحن نعرف وهو يعرف أيضاً أن (الإخلاص) لهذه القضية لدى بعضهم مرهون بما يدفع من أموال تصل إلى جيب هذا الكاتب أو ذاك الإعلامي، فقد سخر صالح القلاب في برنامجه (عين على الحدث) من قناة العربية للحديث عن قضية واحدة وإن تشعبت تفاصيلها ومحاورها وهي باختصار الحرب على الإرهاب الداعشي الذي تشارك به قوى محلية وإقليمية وعالمية تلتقي عند الهدف ذاته، وتسعى إلى مرام موحدة.
فبعد أن كان القلاب يهاجم (سورية وحكومتها، وإيران، وحزب الله) في نهاية كل نشرة إخبارية دخلت روسيا على خط هجومه الإعلامي والتشهيري، بعد مساهمتها الفاعلة في محاربة الإرهاب، وأنها تتدخل من أجل مصالحها التي أفقدت سورية سيادتها بحسب تعبيره، ولم يقل يوماً إنها ضمن التحالف الدولي الذي جاء بناء على قرارات أممية، في حين يروج للتدخل السعودي في اليمن على أنه تحالف عربي، على الرغم من معرفتنا جميعاً بانفضاض عقد هذا التحالف قبل بدء تنفيذ المهمة، ولم يتبق إلا السعودية وحيدة في هذه الحرب الظالمة، ولم يتحدث يوماً عن سطوة المجاميع الإرهابية وتدخلها في فرض عقيدة ناقصة على الناس وقتلهم وتهجيرهم من دون أدنى معيار أخلاقي وإنساني، وسار على هذا النهج (نديم قريش) في برنامجه (DNA) وهو يهاجم تلك الأطراف نفسها (إيران وحزب الله) ويمجد في الوقت نفسه عمل المجاميع الإرهابية، على أنها (قوى الثورة) من دون أدنى ملامح تحليل حامضي لطبيعة ما يحدث بشكل موضوعي ومؤدب، وهو يمسرح خطاباته التي تعبر عن تهكم واستهزاء بما يعرضه من أفلام تسجيلية تعينه في رصده المرئي، ولكنه دائماً ما يقع في التناقضات، بيد أن هذه لم نعرف لها أي ثبات على رأي أو هدف غير الارتزاق من مأساة الشعب السوري، وتتغير الأسماء يومياً تبعاً للمصالح الشخصية، وهكذا فقد ظهرت أسماء جديدة على ساحة الصراع الآن واختفت الأسماء القديمة بعد أن قبضت حصتها من الأموال التي قايضها هؤلاء بدماء وحرمان السوريين وعذاباتهم وتقويض مساكنهم من قبل (أجنحتهم العسكرية) التي ترتبط بـ«داعش» والتطرف المذهبي والديني.
فكثيراً ما جاء ببرامج (القلاب ونديم والقاسم) ومجموعة المحللين الذين يتبعون هوى الدولار ورائحته التي تعطر أنوفهم وتزكم أنوف الملايين ممن يمقتون هذا الخطاب المكرر والداعي إلى أن إيران هي من صنع «داعش» وهي من يدعمها سياسياً ويمولها وأن بعض قيادييها يستمدون العون منها أيضاً واتخذوها ممراً لهم، في حين أن الوقائع على الأرض تظهر خلاف هذا، ويسوق الإعلام نفسه أن إيران تحارب «داعش» في العراق وسورية من خلال وجود مستشارين (وميليشيات) مدعومة من إيران نفسها، وأن إيران تتفق سراً مع الكيان الصهيوني وأمريكا، في حين تتعرض إلى أقسى عقوبات من قبل هذه الأطراف، وهو التناقض بعينه، وهل أن إيران تحارب نفسها؟ ومن جهة أخرى فإن الحقائق على الأرض لا تكشف عن مثل ما يتحدثون به، أين الانتحاريون الإيرانيون الذين يفجرون أنفسهم في الأسواق والطرقات ومنازل الأبرياء، وأين قتلاهم، وما هي نماذج أسلحتهم، أو أرقام عجلاتهم المفخخة، أو العجلات التي لا تحمل أرقاماً مثلما يحدث مع المجاميع الإرهابية ومموليها وحلفائها وضباط مخابراتهم الذين يتم إلقاء القبض عليهم في العراق وسورية. إذاً كيف تدعم إيران كل هؤلاء، وليس لها وجود على الأرض، وهل أصبحت كياناً فضائياً لا يمكن رؤيته أو الإمساك به خلال السنوات الست الماضية من عمر الصراع.
أما على صعيد حزب الله فالقضية مختلفة، فإنه يعد نفسه شريكاً أساسياً في الحرب على الإرهاب من منطلقات إنسانية أولا، ومنطلقات اجتماعية وجغرافية بالمحصلة النهائية، لأنه جزء من هذا التأريخ وانصهاره في البنية الاجتماعية، وهذا ما يكرس حضوره، مقابل الشكوك التي تحيط وجود الصيني والشيشاني والفرنسي وجميع الأعداد الذين أظهرتهم الإحصاءات الأخيرة وبلدانهم الذين رحِّلوا منها وهم فاقدون أي عوامل مشتركة مثل اللغة والقرابة الاجتماعية والتأريخ المشترك، ولم يمتلكوا غير العنف الأعمى وسلطة الدولار والارتزاق على حساب حياة الآخرين وأمنهم من سوريين أو عراقيين أو لبنانيين.
كاتب وأستاذ جامعي عراقي

print

مقالات ذات صله