آخر تحديث: 2017-10-17 12:43:13

عاجل

الدستور الذي سيضعه الشعب السوري سيكون الأكثر تطوراً في المنطقة التجربة السورية وتحديات الديمـقراطية

مصطفى السعيد

كنت أتمنى أن تتقدم سورية بمشروع قرار إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية، يتضمن أن يكون لأي دولة عضو في المنظمتين دستور يتضمن تشكيل برلمان منتخب تحت رقابة دولية، ولديه صلاحيات رقابة الحكومة وسحب الثقة منها وإصدار التشريعات، كما يتضمن حقوق تشكيل أحزاب وإصدار الصحف وحق التظاهر، وحرية ممارسة العبادات من دون تفرقة، وأن يكون كل المواطنين سواسية في الحقوق باختلاف مذاهبهم وأديانهم وأعراقهم وجنسهم، وحق إنشاء نقابات مهنية وعمالية، وجميع الحقوق الواردة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.
وكنت أتمنى أن أعرف رد فعل الولايات المتحدة والسعودية وقطر والجماعات التكفيرية المعارضة وكل الدول الداعمة للإرهاب وللأنظمة القمعية في دول الخليج، ومهما كانت ردود أفعالهم فإنها ستفضح مدى عدائهم للديمقراطية التي تشدقوا بها، واعتدوا على سورية والعراق وليبيا واليمن تحت شعارات زائفة تدعي الديمقراطية التي لا يعرفون عنها شيئاً.
أعتقد أن الدستور الذي سيضعه الشعب السوري سيكون الأكثر تطوراً في المنطقة، والسبب هو مرور الشعب السوري بتجربة تجعله أكثر ثقة في نفسه وقدراته، وأنه اكتشف الكثير وتعلم الكثير من هذه التجربة المريرة وغير المسبوقة في التاريخ، عندما هاجمته جحافل إرهابية من شتى بقاع الأرض بدعم أمريكي أوروبي خليجي، ولقيت الهزيمة على أسوار حلب وغيرها من مدن سورية وأريافها، لكن هذا لا يجعلنا نتغافل عن محاولات دس بعض السموم في الدستور السوري المقترح، مثلما حدث في دستور بريمر الذي استهدف تشتيت العراق وتمزيقه، بدعوى منح الأقاليم صلاحيات واسعة، باسم الديمقراطية، لكن الهدف كان تعبيد طريق التقسيم المذهبي والعرقي، وإضعاف السلطة المركزية لتسهيل تفكك الدولة.
إن طرح إعلان بعض المبادئ الدستورية سيكون مفيداً في الفترة الراهنة، وسيكون من شأنه إحداث المزيد من التصدع في صفوف من يسمون أنفسهم “المعارضة”، حيث نجد في اسطنبول مدّعي الليبرالية يؤيدون الجماعات الهمجية، ويغيرون من خطابهم وأقنعتهم، وسيكونون مضطرين للخيار بين التكفيريين المطالبين بدولة الخلافة والدستور الذي ينص على حق المواطنة والدولة المدنية أو العلمانية.
المعارضون من اسطنبول والرياض منزعجون من طرح ورقة النقاش المتعلقة بالدستور، ووضح عليهم الارتباك، لأنهم اعتادوا الخطاب المزدوج أو المتعدد وفقاً للأحوال، فهم سلفيون مع جبهة النصرة، وإخوان مع أحرار الشام، وليبراليون في أوروبا، واشتراكيون مع الاشتراكيين، وملكيون ووهابيون في الرياض، ولا يملون من الكذب والتحدث بأكثر من لسان، وأصبحت مهنتهم ترديد الأكاذيب التي بدأت تتساقط وتكشف وجوههم ونياتهم القبيحة.
سورية مؤهلة لتكون منارة لفكر قادر على الجمع بين المتطلبات الوطنية والقدرة على الشراكة الاجتماعية الواسعة، على أرضية القواسم المشتركة في سورية موحدة ومستقلة ورافضة للهيمنة والتبعية والاستعمار، ومع الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، ومواجهة الأطماع الصهيونية، وعلى هذه الأرضية يمكن التنوع والتنافس على المشاركة في بناء دولة عصرية قوية وحرة وعادلة، وقد استفادت سورية من فشل المشروع الاستعماري بأدوات من جماعات إرهابية، تلاعبت بالدين، وسعت إلى تطويعه ليخدم مشروع الإرهاب والفتنة وإسقاط الدولة، وسوف يلفظ هذا المشروع آخر أنفاسه على أرض سورية الحضارة، وستنهض أكثر قوة وثقة بعد أن مرت بزلزال عنيف كشف مواطن القوة والضعف، وأفرز الطيب من الخبيث، ومنحها قوة إضافية بدماء شهدائها ونضالات شعبها، القادر على نسج عقد اجتماعي جديد يحصن انتصارها ومكاسبها، ولا يفرط فيما حققته.
إن التحديات الأمنية التي تواجهها الدولة تتطلب اليقظة وصلاحيات واسعة لوأد أي محاولة لاختراق الجبهة الداخلية، لكن التحدي الحقيقي هو القدرة على توفير الأمن مع احترام الحقوق، من خلال شراكة اجتماعية واسعة وواعية، تحمي الحقوق والخيارات الوطنية معاً، وأعتقد أن سورية مؤهلة لتقدم لنا أنموذجاً خلاقاً، قادراً على الحفاظ على الوطن، وإطلاق طاقات الشعب بمختلف منابعه، لتصب جميعاً في خيار وطني يحميه الشعب، ويقدمه أنموذجاً لكل الدول العربية.
كاتب صحفي مصري

print

مقالات ذات صله