آخر تحديث: 2017-03-24 20:00:22

التضليل الممنهج والحسم المتدحرج

د. حسن أحمد حسن

إلى متى يستطيع ظلاميو القرن الحادي والعشرين الاستمرار في نفاقهم وكذبهم وخداعهم وتضليلهم الذي تعرَّتْ جوانبه وأطرافه من كل ما كانت تخفيه «الإمبراطوريات» الإعلامية في ثنايا ما يتم بثه من سموم وأحقاد وأهداف متناقضة شكلاً ومضموناً مع كل ما يمت بصلة للقانون الدولي، لأنها ببساطة ووضوح تصب في خانة مشروع التشظي والتفتيت كرافعة وحيدة متبقية أمام حماة ثقافة «الكاوبوي» المتلذذ بإزهاق الأرواح، والمثخن في الوقت نفسه  بجراح العجز المتراكم عن التفرد بقيادة العالم وفق مصالح من استمرؤوا الرقص على جماجم الأبرياء، والتلذذ بدماء ما تبقى من القيم الإنسانية التي يحملها صنّاع الحضارات في عروقهم نبضاً عصياً على التذويب عبر تاريخ البشرية الطويل وكيف يمكن لمن امتهن تشييد مزارع الذئاب أن يكون حريصاً على أمن حَمَلٍ وديعٍ وهل يظنّن «سدنة» غرف الاستخبارات التي أوكلت إليهم مهمة تهيئة البيئة المطلوبة لضمان استمرار التضليل الاستراتيجي مهما كانت النتائج أن في إمكان مراكز البحوث ومعسكرات العقول والأدمغة المكرسة لخدمة من يتحكمون بمفاصل صنع القرار الدولي أن يقنعوا من لديه بقية من عقل أن من أوجد الإرهاب ومكَّنه من التمدد والانتشار ونفث سمومه وجرائمه قد يصبح بين ليلة وضحاها جاداً في «القضاء» على ذاك الوليد المسخ الذي تفرعن وتنمرد وامتلك القدرة على عض من أنجبه فكان ابن سفاح بين مالكي عائدات النفط الخليجي وأصحاب صناعة السلاح من جهة وبين حملة الفكر الوهابي التكفيري «برعاية» الظلاميين الجدد ومباركتهم وإشرافهم المباشر على وقع رفع الأنخاب والقهقهة الفاجرة احتفاء بتفتيت دول وإشعال غيرها وترك مصير هذه المنطقة أو تلك مفتوحاً على كل الاحتمالات؟.

إذا كان هناك من يظن أن في إمكانه الاستمرار في لعبة الدم هذه فعليه أن يعيد حساباته، وإذا كانت الرؤوس الحامية في فترة ما وفي ظروف محددة قادرة على سلب إرادة الشعوب بالتهديد والوعيد، فعلى أولئك أن يتحسسوا رؤوسهم قبل أن يحلموا بقطع رؤوس الآخرين، وواقع الحال يثبت أن هذا ليس كلاماً مدبجاً، ولا تسويقاً للأحلام والأمنيات على أنها ممكنة التحقيق، بل هو واقع قائم فرضه أداء عشاق الكرامة والسيادة الذين أثبتوا أن المقاومة ثقافة ونهجاً وممارسة يمكن أن تنتقل من مستوى الأفراد والأحزاب والتنظيمات إلى مستوى الدول، لا بل وإلى مستوى تكتل يضم العديد من الدول القادرة على بلورة ثقافة المقاومة وتحويل مدخلاتها إلى مخرجات مثمرة عنوانها سقوط الأحادية القطبية وإلى غير رجعة، فمن يود الاحتفاظ بدور فاعل إقليمياً ودولياً عليه أن يعمل بوضوح وشفافية على مواجهة الإرهاب والقضاء عليه، بدلاً من الاستمرار المفضوح في رفع شعارات براقة تدعو «لمحاربة الإرهاب» واعتماد سياسات عملية تؤدي بالضرورة إلى حقن الإرهاب المحتضر بإكسير الحياة والعمل على ضخ دماء جديدة بمسميات جديدة في عروقه المثقبة لتعويض ما نزفه من دماء وفقده من قدرة في ميادين المواجهة الفعلية مع من أثبتوا أنهم يحاربون الإرهاب ويمتلكون إمكانية القضاء ولاسيما إذا تم تجفيف منابعه التي لما تنقطع روافدها حتى هذه اللحظة.

تساؤلات كثيرة مشروعة تفرض ذاتها على كل مهتم بتطور الأحداث وتداعياتها في منطقة الشرق الأوسط بعامة وعلى الجغرافيا السورية بخاصة، فهل واشنطن جادة فعلاً في محاربة الإرهاب؟ وهل «حلفها الستيني» الذي تقوده مهتم بالقضاء على «داعش» والنصرة كما يتم الإعلان عن ذلك رسمياً؟ وكيف يمكن الاقتناع بأن أولئك يسعون فعلاً للقضاء على الإرهاب في حين تؤكد  القرارات الأمريكية أنها تستهدف عملياً من يحارب الإرهاب، ومن له الفضل في تقويض روافعه وفي مقدمة أولئك الدولة السورية وروسيا وإيران وحزب الله؟ وإذا ضيقنا الدائرة أكثر لمعرفة حقيقة ما يحدث، ولنأخذ على سبيل المثال الاقتتال بين «جبهة النصرة» وبقية الفصائل المسلحة التي تتقهقر أمام «النصرة» المتمددة على مرأى ومسمع من إدارة دونالد ترامب ونظام رجب أردوغان وهما يريان بأم العين اكتساح «جبهة النصرة» بنسختها الجديدة مناطق سيطرة تلك المجموعات المسلحة التي لا يزال حبلها السري مرتبطاً بالمشيمتين التركية والأمريكية بشكل مباشر، فلماذا لا تقوم طائرات «التحالف» الذي تقوده واشنطن بقصف مواقع وتجمعات «النصرة» المصنفة على لائحة الإرهاب الدولي، بدلاً من قصف الجسور وشبكة مياه الشرب في مدينة الرقة ـ كما فعلت في جسور دير الزور سابقاً، والتدمير الممنهج للبنية التحتية في أكثر من محافظة سورية؟ وماذا يعني التفرج على ذوبان العديد من تلك التنظيمات المسلحة وانضوائها تحت «جبهة النصرة» فرع «القاعدة» في بلاد الشام؟.

الأمر الآخر الذي يستحق التوقف عنده بكثير من الجدية لكشف حقيقة التضليل الاستراتيجي الممنهج في السياسة الأمريكية هو ما يتم تداوله عن سعي أمريكي لإقامة ما سموه «مناطق آمنة»، فَمِمَنْ تريد لتلك المناطق المأمولة أن تكون «آمنة»؟ وهل الجغرافيا السورية الممتدة تحت سيطرة الحكومة الدستورية في سورية تضيق عن استيعاب من تاجرتم بجراحاتهم الراعفة التي ما كان لها أن تكون إلا بإشراف دولتكم؟ وكيف يمكن فهم التطابق في رؤية واشنطن لتلك المناطق مع ما تضمنته الخطة الصهيونية التي كانت مأمولة «لتقسيم» سورية وتقطيع أوصالها؟ ومتى كان أصحاب الأدوار الوظيفية الرخيصة جنوباً أو شمالاً «حريصين على أمن الشعب السوري وأمانه؟» فاستدعاء هذا أو ذاك إلى بلاط البيت الأبيض لا يعني إلا أمراً واحداً وهو الاحتفاظ بالأهداف الاستراتيجية وتبديل التكتيكات والمقاربات لضمان استمرار صلاحية التضليل الاستراتيجي المعتمد، وهو تضليل يستهدف الرأي العام الأمريكي والأوربي قبل أن يستهدف وعي الشعوب في منطقة الشرق الأوسط ، لأن الرأي العام في أوروبا وأمريكا قد يفرض على المسؤولين الجدد إعادة الحسابات.

أمام استمرار هذا التضليل المفضوح يتابع الجيش العربي السوري وحلفاؤه رسم لوحة ميدانية جديدة عنوانها الحسم المتدحرج وتطهير مئات الكيلو مترات المربّعة بزمن قياسي يترك المتابعين ومراكز الدراسات الاستراتيجية والأكاديميات العسكرية أمام معطيات جديدة في العلم العسكري، وعلى سبيل المثال لا الحصر تمكّن الجيش العربي السوري بمساعدة الحلفاء والقوى الرديفة من التقدم على جبهة بعرض /25كم/ وعمق / 15كم/ في ريف حمص الشرقي باتجاه منطقة «التيفور» في غضون أقل من يومين، وغير ذلك الكثير، وتبين وثبت أن الجيش العربي السوري سيستمر في متابعة تنفيذ مهامه الوطنية في محاربة الإرهاب, مؤكداً التزامه بالقيام بواجباته الدستورية في حماية المدنيين والحفاظ على وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية.

dr.hasanhasan2012@gmail.com

print

مقالات ذات صله