آخر تحديث: 2017-06-24 18:23:40

عاجل

جمهورية النسيان

هل تتجزأ المعركة التي يخوضها جيشنا وشعبنا عسكرياً وسياسياً وثقافياً في مواجهة مشاريع الغرب المتوحش وذيوله الظلامية الرقطاء في الرياض وأنقرة والدوحة؟ المعركة واحدة على الجبهات كلها, فعلى الرغم من أولوية الميدان العسكري عمّا عداه لا يمكن تأجيل السياسي أو الثقافي بذريعته, فالعدو واحد بأقنعته المتعددة كما هي المواجهة واحدة بأبعادها كلها. ومن هنا لا بد من تناغم كل مؤسسات الدولة في أدائها وفاعليتها لتكون على مستوى المواجهة المطلوبة مع أعداء الوطن والحياة والنور.
دفعني إلى الاستهلال السابق ما كتبته القاصة المبدعة اعتدال رافع في إهدائها المؤثر إليّ على الصفحة الأولى من أعمالها القصصية الكاملة التي طبعتها وزارة الثقافة -الهيئة العامة السورية للكتاب- قبل أيام, موقعة ذلك الإهداء باسمها ومكان إقامتها الحالية الذي سمته: «جمهورية النسيان» وهي تعني به ما يسمى «دار السعادة للمسنين»!
وكانت أول معرفتي بإبداع هذه القاصة في منتصف الثمانينيات يوم قرأت لها قصة في صحيفة الأسبوع الأدبي وكتبت عنها قراءة نقدية في العدد التالي بعنوان: «اعتدال رافع ..الأنوثة الخائفة والاحتجاج المكسور». ومنذ ذلك الوقت وأنا أتابع نتاجها الآسر بحق لغةً وسرداً وتشويقاً واستبطاناً لدواخل المرأة وهمومها ومعاناتها وأنينها المكتوم. واليوم تستولي اعتدال من جديد على تفكيري, بل تستيقظ في ذاكرتي بصورتها الأولى قبل ثلاثين عاماً يوم كانت تزيّن باسمها وقصصها وزواياها الصحف السورية واللبنانية, وأكاد لا أصدق أنها تعيش كما عبّرت في «جمهورية النسيان»! الأمر الذي أشاع في نفسي موجة من الكآبة لا تقل عما أشاعه من قبل خبر رحيل علاّمة حلب خير الدين الأسدي في دار المسنين أيضا وحيداً, منسياً, موزع ومبعثر الأشلاء والكتب, وكل ما كان قد تركه من مخطوطات ورسائل وصور لها قيمتها الأدبية والتاريخية النادرة.
قد لا ينفع اللوم الآن بقدر ما ينفع توجه المؤسسات الرسمية: وزارة الثقافة, واتحاد الكتاب العرب, واتحاد الصحفيين, إلى التعاون معاً لجمع وطبع كل أعمال الكاتبة المتنوعة ما بين قصة وشعر وزوايا وخواطر, وما كتب عنها أيضاً من دراسات وقراءات نقدية, وما تسمح بنشره من رسائل وذكريات خاصة بها, إلى جانب التوجيه برعايتها في رحلة معاناتها مع المرض والوحدة, والقيام بزيارتها بين حين وآخر والاطمئنان عليها, فذلك وحده يخفف آلامها, وينقلها من جمهورية النسيان إلى جمهورية الإنسان الحاضر دائماً في القلب والوجدان بأنبل القيم والمواقف.
مبدعونا يستحقون التكريم والرعاية في حياتهم ومرضهم ورحيلهم, وقد وقف أغلبهم في هذه الحرب العدوانية الظالمة سدّاً منيعاً لم تستطع قوى التكفير والظلام اختراقه أو استمالته, وبعضهم دفع حياته في مواجهة تلك القوى, وهذا يستدعي الحفاظ عليهم, والاستجابة لندائهم, وتلك مسؤولية جماعية لا تتوقف عند وزارة الثقافة وحدها بل تتعداها إلى سائر المؤسسات المعنية أيضاً بالثقافة والإعلام, فهل يصل نداء اعتدال رافع إليهم قبل رحيلها.
natherg@yahoo.com

print

مقالات ذات صله