آخر تحديث: 2017-03-28 21:31:49

عاجل

الإرهاب الممنهج بين الانحـسار والتآكل

حسن أحمد حسن  د. حسن أحمد حسن يحق لزنوبيا الشامخة في ساحة الأمويين وتحت ظلال السيف الدمشقي أن تتابع رفع علم الجمهورية العربية السورية فوق قلعة تدمر، ويحق لها أن تستحضر عبر الماضي ودروسه مؤكدة لكل ظلاميي العصر الحديث أن النور في عيني ملكة الصحراء لم يبهت، ولن ينطفئ أبداً ما دام هناك رجال يجسّدون الإرادة الوطنية ويعزفون بدمائهم الطاهرة سيمفونية الانتماء للوطن والاستعداد للتضحية في سبيل عزته وكرامته مهما عظمت التضحيات. وإذا كان هناك من يظن أن جينات الأجداد الذين أقاموا مملكة تدمر وغيرها وصدروا للعالم أول أبجدية في التاريخ قد «تلاشت أو ذابت أو تحولت» بتأثير مفرزات «العصرنة» المقيتة التي امتهنت الاستثمار في الإرهاب الممنهج نشأة واستمرارية، وهاهي تحاول الاستثمار في القضاء عليه بعد التيقن من أنه دخل مرحلة الانحسار والتآكل الذاتي، فعلى أولئك أن يعيدوا قراءة ما يرونه بأم العين من ميادين مواجهة مفتوحة سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً بآن معاً، وما أوقات «جنيف 4»  ببعيدة، والذاكرة ما زالت قادرة على استحضار كل محطاته، حيث دأب أصحاب المشروع التفتيتي على اجترار محاولاتهم اليائسة والفاشلة سلفاً للحصول في السياسة على ما عجزوا عنه في الميدان، فكانت النتيجة مزيداً من افتضاح حقيقة الإرهاب وأخطاره وتهديداته، ومزيداً من الإنجازات الميدانية النوعية للجيش العربي السوري التي وصل صداها إلى صالات جنيف وهي تغلي بما ظهر وما استتر من تناقضات وارتباكات طبعت أداء من تم تسويقهم على أنهم «معارضة»، ولم يجد داعموهم ممن سموا أنفسهم «أصدقاء سورية» ما يمكن أن يستندوا إليه لتمرير السقف العالي لخطابهم المرفوض منذ ست سنوات، فجميع المحاولات للعودة بالوضع إلى المربع الأول باءت بالفشل، وتمكنّت سورية من فرض جدول أعمال موضوعي ينسجم مع تطلعات الشعب السوري، وغدت سلة مكافحة الإرهاب حاضرة وبقوة ضمن جدول الأعمال بغض النظر عن محاولات الشغب والصبيانية السياسية والدبلوماسية التي صبغت سلوك ممثلي ما يسمى «منصة الرياض» ومواقفهم وتصريحاتهم المنفصلة عن الواقع جملة وتفصيلاً، ولم يستطع المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا وكل من شغل الغرف السرية بالقرب من مكان انعقاد «جنيف4» أن يجمِّل الوجه القبيح للإرهاب القابع في أعماق ممثلي «منصة الرياض»، كما لم يكن في إمكان هذا الطرف الإقليمي أو ذاك إلا التسليم بالحقيقة التي تبلورت في تادف وما حولها، وفي تدمر وما حولها، فأوهام التحشيد والتقدم باتجاه هذه المدينة أو تلك بذريعة محاربة «داعش» لم تعد قابلة للصرف في سوق القيم والمعايير الموضوعية بعد كل ذاك التناقض الصارخ بين الشعارات والممارسات، والسقوف العالية التي رفعوها في الأيام الأولى «لجنيف4» وجدوا أنفسهم ملزمين بالتخلي عنها، وسرعان ما تغيّر شكلها وارتفاعها وتبيّن للجميع أنهم مرغمون على الدخول من العتبة التي تحدد ارتفاعها سورية وحلفاؤها، ومن يصر على أن يمطَّ جسده المترهل سيجد ذاته أمام حقيقتين لا ثالث لهما، فإما أن يبقى خارجاً بعد أن يصطدم رأسه المنفوخ بالعتبة الفولاذية التي حددتها سورية وفق مضامين القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة تحت عنوان سيادة الدولة السورية والحق الحصري للشعب السوري في كل ما يتعلق بحاضر الدولة ومستقبلها، وإما الانحناء للدخول من تلك العتبة التي قد يضطر بعض المنفوخين التقدم باتجاهها زحفاً إن أرادوا حجز مقعد صالح للاستخدام في مثل هذه الفعاليات الدولية المعنية بإيجاد مخارج ممكنة، وتحديد معالم حل سياسي لوضع حد لمثل هذه الحرب المركبة المفروضة، وما أفرزته من تداعيات أخطرها إمكانية انتشار الإرهاب وخروجه من تحت سيطرة من هندس معالمه وآليات انتشاره، وحدد مراحل تمدده وكيفية الاستثمار به في هذه المنطقة الجيواستراتيجية من العالم. الغريب أن يسعى هذا المسؤول الأممي أو ذاك لإعادة الأسطوانة المشروخة باستحالة الحل العسكري، وأن يفجر اختراعه المتضمن أن المخرج الوحيد الممكن عبر الحل السياسي، وكأن هناك من يناقش في المسلمات والبديهيات، فألف باء علم السياسة يؤكد أن نهاية أية حرب تكون ببلورة حل سياسي، لكنه ليس أي حل، بل الحل السياسي المستند إلى معطيات الميدان وموازين القوى الشاملة وعلى شتى الصعد والميادين، والقائم على ما يتم إنجازه عسكرياً، فالحل السياسي المنشود لا يأتي من فراغ، ولا هو مجرد ترف ذهني لبعض المتفلسفين والمنظّرين من وراء مكاتبهم في الوقت الذي دفع فيه الشعب السوري ولا يزال ضريبة لا يستطيع أي شعب آخر دفعها، والحل السياسي لا يعني قط التنكر للدماء الطاهرة التي أريقت دفاعاً عن مقومات العزة والسيادة والكرامة، ولا يعني أبداً القبول بتسويق الإرهاب والخونة والإرهابيين تحت أي مسمى، والتحدث عن «مبادئ» يريدون فرضها على الشعوب بجز الرؤوس وثقافة الترويع والإرهاب الممنهج. نعم الحل السياسي مطلوب، لكن بأي شكل؟ وبأي صيغة؟ وكيف؟ وهل كان لمن حاول العودة بالأوضاع إلى عام 2011 أن يقتنع بتضمين جدول الأعمال «استراتيجية مكافحة الإرهاب» لولا التقدم النوعي وغير المسبوق للجيش السوري على الأرض وتطهير تدمر  وتادف وعشرات القرى والبلدات الأخرى من رجس «داعش» وبقية التنظيمات الإرهابية التكفيرية المصنّفة على لائحة الإرهاب رسمياً وفق قرارات دولية صادرة بالإجماع عن هيئات المنظمة الدولية، وهل كنا سنشهد خطاباً مختلفاً لو أن «داعش» أو «النصرة» أو أي فصيل إرهابي آخر استطاع أن يتمدد أكثر ويسيطر على مساحات جديدة ؟ باختصار شديد يمكن القول: إن مخرجات هذه الحرب الإرهابية الوحشية على سورية بخاصة والمنطقة بعامة مرتبطة حتماً بالمدخلات كماً ونوعاً، فعندما يتم تجفيف مدخلات الإرهاب وما يرتبط به، فمن الطبيعي أن ترتفع إمكانية إيجاد حل سياسي وبوتيرة متسارعة، وجميع معطيات الواقع تؤكد انحسار إمكانية الاستثمار في الإرهاب، وتنامي شعور جمعي عام لدى الشعوب يتجاوز الجغرافيا السياسية للدول، ويتوجس شراً من انتشار الإرهاب الممنهج الذي لا يستثني أحداً من أخطاره وتهديداته، وهذا يعني تلقائياً ضرورة توحيد الجهود ودعم الدولة السورية التي أثبتت قدرة فائقة على مواجهة ذاك الإرهاب وإمكانية القضاء عليه، ومن يرى غير ذلك فإنه كمن يغرد خارج السرب، أو ينفخ في قربة مثقوبة، فلا يمكن لعاقل أن يتعامى عن الواقع الميداني الجديد بعد تطهير عشرات القرى والبلدات في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، وإمكانية التواصل الجغرافي المسيطر عليه من تادف إلى الباب باتجاه منبج والخفسة وصولاً إلى ضفاف بحيرة الأسد في الطبقة، مع إمكانية المناورة بالقوى والوسائط وعلى أكثر من اتجاه، وبخاصة بعد تطهير تدمر والمطار وتوسيع نطاق الأمان أكثر فأكثر، وهذا يعصف بالكثير من الأوهام والأحلام التي تم الترويج لها في الأسابيع الماضية. وإذا كان هناك من امتهن التهويل والترويج لتشكل «تحالف ميداني معتل تقوده واشنطن» لإبقاء المنطقة مشتعلة، فالمنطق يقول: إنه لا يجوز استبعاد أي سيناريو مهما كانت نسبة احتمال حدوثه متدنية، والمنطق السليم والتفكير العقلاني في الوقت نفسه يفرض إجراء مقارنات ومقاربات والقياس عليها، وهنا يصبح مشروعاً لا بل مطلوباً إيجاد جواب واضح على تساؤل يفرض ذاته وبقوة، فما هو السر في ابتلاع جنرالات الكيان الصهيوني ألسنتهم، والتزام الصمت من كل المنبطحين في العربة الصهيو- أمريكية بعد التصريح الإيراني المتضمن أن الصواريخ الإيرانية قادرة على معانقة التراب الفلسطيني في غضون سبع دقائق فقط؟ سؤال قد يبقى من دون جواب إلى أن يثبت للجميع أن الإرهاب الممنهج الذي عصف بالمنطقة ينحسر ويتآكل ذاتياً بفضل صمود سورية ومحور المقاومة عموماً ومن يدعم قيم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، و ليس أمام الجميع إلا الانتظار إلى أن تتبلور معالم نظام عالمي جديد وفق أسس ومعادلات يفرضها توازن القوى إقليمياً ودولياً.

dr.hasanhasan2012@gmail.com

print

مقالات ذات صله