آخر تحديث: 2017-12-14 22:16:28

عاجل

الذين راهنوا على “سقوط” سورية باتوا في عداد الحفريات السياسية التّاريخية

إدريس هاني :

تواصل سورية تدبير الأزمة وفق منظور شمولي ومقاربة جيوستراتيجية تأخذ بالحسبان الفوضى التي يسلك عليها النظام الدّولي، القيمة المضافة للسياسة الخارجية السورية هي أنها أدركت حالة تعقيد العلاقات الدولية، فالدبلوماسية السورية تبدو هنا كسيمفونية تتحرك على كلّ السلالم الموسيقية، لأنّ نظرية رقعة الشطرنج وحدها لم تعد تكفي كأنموذج في العلاقات الدولية.
وفي كل منعطف تبلغه المسألة السورية نواجه موجة جديدة من سياسة التّأزيم لخصوم سورية الذين يدركون اليوم أن لا شيء من خططهم قابل للتطبيق، لكنهم يسعون لاقتطاع مكتسبات الخدمة ضدّ سورية، لأنّها، ومن خلال صمودها الأسطوري في زمن الإهانة، تملك وحدها في الإقليم الانهزامي أن تعلن أنّها ذات سيادة.
من الطبيعي أن يكون لسورية خصوم يجاهرون بمواقفهم و«يتفاخرون» بالعداء لدورها وقياداتها ونظامها، لكن يبدو أنّ سورية حتى اليوم باتت اختباراً نوعيّاً تساقط عنده الكثير من المواقف والتبس بعضها الآخر، الذين راهنوا منذ بداية الأزمة على «سقوط النظام» تساقطوا كأوراق الخريف وباتوا في عداد الحفريات السياسية التّاريخية، بينما البعض الآخر كشّر عن نزعاته التسلطية لكي يستمر ولو على حساب الشعب، كان لهذا وقع الحرب النفسية على الذين راهنوا على «سقوط» قائد كان في إمكانه أن يكون شرطياً أمريكياً في الإقليم العربي لو أنّه تنازل قيد أنملة عن واجبه القومي، بشّار الأسد:
هذا القائد أنقذ ما تبقّى من الشّرف العربي، وهي الحقيقة، التي تنكّر لها وتجاهلها عصف مأكول من «السياسويين» الذين ملؤوا الفضاء العربي بالضوضاء، لعلّ أسوأ تلك المواقف محاولة التمييز بين القضية الفلسطينية والقضية السورية، فصل تعسّفي لعب على وتره أهل الحياد الملتبس ليجردوا ظهر سورية التي ما زالت تدفع الثمن بسبب فلسطين، لقد تجاهل هؤلاء وحدة المسار والمصير، وظنّوا أنّه بممارسة هذا الفصل التعسفي سيحصدون مكتسبات كثيرة.
بينما كانت مغالطة الفصل بين المسارين تنفضح يوماً بعد يوم لأنّها باتت أشبه بكوميديا سياسية رخيصة:
كيف تبقى في ظلّ حماية سورية، تتفرج على تآكل بنيانها واهتزاز استقرارها؟ حتى لو كنت ضيفاً غليظ القلب لكنت أنت مع نصرة سورية لا مع «نصرة القاعدة» غير أنّ الواقع هو أنّنا كنا أمام انزياح باتجاه خصوم سورية.
اليوم بات ثمن الفصل التعسفي هو «ميثاق حماس» الواقع والمتوقع، القراءة الموضوعية في الحدّ الأدنى تؤكّد أنّه في سورية فقط كان الميثاق مقاوماً، أما لما صار خارج سورية فالميثاق على قولة مظفر النواب: «غدا بلا شوارب».
جزء من التيار المحسوب على «القومجية» الذين أظهروا الكثير من النّفاق حيال ما يجري في سورية هم أيضاً حالة كشف عنها الاختبار السوري، اختفوا خلف القضية الفلسطينية في مستوى حرب البيانات وعززوا الفصل التعسفي بين المسارين حتى إنّ بعض «قومجيي» بلدنا تملّق يوماً لحزب «العدالة والتنمية» الحاقد على سورية بالقول: «إن ما يجمعنا مع الإسلاميين هو أكبر من سورية». وهو كذلك كان، إنّهم عند الحرج وفي موسم الهجرة إلى الشرق تراهم يقدمون ما يطلبه المتلقي، لكنهم في سائر السنوات العجاف ينتظرون «سقوط» سورية. إنّهم بسبب إحراجنا لهم في موضوع سورية أصبحوا يظهرون لنا الكراهية والاشمئزاز.
فالعمل القومي لديهم لعبة، وهم متحالفون حدّ الأذقان مع الإخوان بشتى اتجاهاتهم وتشكيلاتهم، فكيف تكون يا ترى مع سورية وأنت تتحالف مع من يتآمر عليها؟ أحد صعاليك العبث «القومجي» سبق أن صرّح بأنه مع الشعب ضد الحكومة، وهو يعني الشعب بالمعنى الذي يتحدث عنه الإخوان: «جيش حر » وفصائل الإرهاب «المعتدلة»!
تحالف «قومجية» بلدنا مع الإخوان إلى حدّ الصمت عن نصرة سورية أمر غير قابل للتبرير، فالمراهنون على «سقوط» سورية أكلوا صفعة قلّة الوفاء، ولا يكفي الحديث الدبلوماسي في المواسم، في الوقت الذي كان الامتحان السوري في أوجه، إنّ هذه الموجة من الوصوليين يرعبها فعل التأريخ والتوثيق، لأنّها تعيش على خدعة النضال بالمراسلة وتعديل الموقف بتكثيف صوتي في نهاية المشوار، والمؤرّخ هو شاهد على هذا السقوط.
إنّ حكاية هذه النحلة من «قومجيي» الفصل التعسفي طويلة عريضة، وتآمرهم ضدّ موقفنا الصريح في دعم سورية أمر موثّق إلى حينه، وكواليسهم محفوظة لدينا، ومواقفهم الملتبسة حيال سورية محفور في ذاكرة 5 سنوات من الصّمت والكآبة السياسية.
• كاتب مغربي

print

مقالات ذات صله