آخر تحديث: 2017-05-26 19:51:03

عاجل

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق تخفيف التوتر” في سورية

د. إبراهيم علوش :

للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة «مناطق تخفيف التوتر» الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في أستانا يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع مايسمى «المناطق الآمنة» الذي لطالما حاول فرضه المحور الغربي-الخليجي، والذي لطالما رفضته دمشق لكونه مدخلاً لتقسيم سورية وتكريس فكرة مايسمى «الحكم المحلي» لتحويل سورية إلى «فيدرالية أو كونفدرالية» تعتمل فيها بذور تجدد التفتيت أسوة بكل دولة عربية فُصِّل دستورها ونظامها على مقاس خطوط التصدع الإثنية والطائفية والجهوية، وإن لم نتفطن هنا لمشروع «الحكم المحلي» في مناطق سيطرة قوى معينة مدعومة أمريكياً، فلنراجع إذاً المشروع المعلن لأكبرَ مركزِ أبحاثٍ أمريكي، وهو مؤسسة «راند» المعروفة التابعة للقوات المسلحة والإدارة الأمريكية، تحت عنوان «خطة مؤسسة راند للحل في سورية»، المنشور بالعربية على الإنترنت منذ 11/7/2016، والذي يتبنى فكرة «المناطق الآمنة»: «…إن أفضل الآمال من أجل وقف المقتلة السوريّة، هو القبول بمناطق مُتفّق عليها، تأخذ في حسبانها التقسيمات الإثنو- طائفية، والخطوط الحالية للمعركة، بينما تُطوَّر قوة مهمة للمجتمعات المحلّية»! ومن البدهي أن دمشق يستحيل أن توافق على التعاطي إيجابياً مع مثل هذا الأمر، لأنه يعني تقويض الدولة وتفكيك المجتمع ونشر الإرهاب في المنطقة.
لكنْ، لو افترضنا جدلاً أن «مناطق تخفيف التوتر» تصب في طاحونة مشروع «المناطق الآمنة» الأمريكي إياه، فلمَ نر قناة «العربية» تستنكره، و«الجزيرة» تشكك به، والعدو الصهيوني يتنصل منه، ووسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة تتناوله بانزعاج، ومايسمى «الهيئة العليا للمفاوضات» تنتقده، وعدداً من المجموعات المسلحة تناهضه، ومكوناً إثنياً معيناً في سورية يرفضه؟! إذ لا يعقل لهؤلاء جميعاً أن تتسم ردود فعلهم بالسلبية الواضحة، بذرائع شتى، لو كان الأمر يصب في مصلحتهم حقاً، سوى أنه يشبه ما أصروا عليه على مدى سنوات، ما يجعل رفضه صراحةً وبشكل قطعي محرجاً لهم، فباتوا «أعظمُ حيرةً من فارسٍ تحت القتام، لا يستطيع الانتصار، ولا يطيق الانكسار»، على حد تعبير الشاعر إيليا أبو ماضي.
ربما تبدو مذكرة «مناطق تخفيف التوتر» إذاً شبيهة بمشروع «المناطق الآمنة»، غير أنها ليست مثله حقاً إلا شكلاً. أما القراءة الدقيقة لتفاصيل المذكرة وما بين سطورها فيجب أن تبدأ من زاويتين: أ– إن وقف إطلاق النار لا يسري على المجموعات التي لا تتقيد به..
ب– إن وقف إطلاق النار لا يسري على «داعش» و«النصرة» وأي مجموعات أو أشخاص مرتبطة بهما.
من هنا تنطلق المذكرة من الفصل بين «داعش والنصرة» وبقية المجموعات المسلحة، فإما أن تُعامل معاملتهما، أو أن تلتحق بجهود محاربتهما من جهة، في ظل وقف إطلاق نار مع الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة من جهةٍ أخرى، أي أن المذكرة تفرض اصطفافاً ميدانياً على تلك المجموعات، هو في جوهره مدخلٌ لإعادة اصطفاف سياسية، أو أنه يكشفها سياسياً وميدانياً كداعم للإرهاب التكفيري.
تبرّمُ وسائل الإعلام والإدارة الأمريكية من المذكرة جاء على خلفية التأكيدات الروسية بأن الطلعات الجوية لـ«التحالف الدولي ضد الإرهاب» بموجب المذكرة سوف تقتصر على شرق سورية فحسب، حيث تدور رحى المعركة مع «داعش»، ما يحقق، لو تم الالتزام به أمريكياً، هدفين اثنين، أولهما انحسار الظل الأمريكي عن مركز الثقل السكاني والسياسي السوري، وثانيهما تركيز القوة النارية للتحالف على هدف مشترك هو القضاء على «داعش». لكن ماذا بعد «داعش» في شرق سورية؟ ذلك هو السؤال الكبير.
استراتيجياً، يمكن للمذكرة لو تحققت بنودها أن تتيح للجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة التركيز على جبهتين، أولاهما جبهة دير الزور خصوصاً وشرق سورية عموماً، وثانيتهما جبهة الحدود السورية- الأردنية- العراقية التي تتجمع فيها القوات الأجنبية والمجموعات المسلحة التابعة لها. ومن هنا يعني فرض تهدئة على جبهة درعا- القنيطرة، وجبهة الغوطة الشرقية، وريف حمص، ومحافظة إدلب وجوارها، بمقدار ما يتم الالتزام به، تسكين تلك الجبهات لمصلحة التركيز على معركة شرق سورية مع «داعش» وما بعدها، ومقابلة الحشود الغربية في جنوب سورية وشرقها، أي أنه يمنح معسكر سورية وحلفائها ميزة استراتيجية، نازعاً من أيدي المحور المقابل الذرائع «الإنسانية» للتوتير مثل حرية إيصال المساعدات وإعادة خدمات البنية التحتية حيث قُطعت ووقف القصف المتبادل إلخ…
تحول تركيا إلى جهة ضامنة للمذكرة، إذا التزمت فعلاً بعدم توتير الأجواء في إدلب وجوارها، وبمحاربة المجموعات المرتبطة بـ «النصرة» و«داعش» في تلك المنطقة، يعني فعلياً تعزيز تقاربها مع روسيا، مما لا بد له أن يزعج المحور الأمريكي- الخليجي. أما تثبيت إيران كجهة ضامنة للمذكرة، فيزعج ذلك المحور أكثر، ويسير بتيار الأحداث على عكس ما تشتهي سفنه، كما رأينا من ردود فعل بعض ممثلي المجموعات المسلحة.
كل ما سبق يفسر مذكرة «مناطق تخفيف التوتر» ضمن شروط اللحظة الراهنة، وهو سياق سيؤدي، لو تحقق، إلى تعزيز فرصة عودة المحافظات والمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة لسيادتها، لا لمأسسة نزعات التشظي والتفكيك التي يحلم بها الطرف الأمريكي- الصهيوني. ولا يمنع ذلك على الإطلاق أن يحاول ذلك الطرف اختراق مشروع «مناطق تخفيف التوتر» في مسعى لتحويل مسارها باتجاه تعريفه التفكيكي للمناطق الآمنة، كما لا يمنع أن يوعز لأدواته بعدم التقيد علناً بوقف الأعمال القتالية كما فعل مراراً من قبل، لكنه سيواجه في الحالة الأولى إدارة سياسية سورية مخضرمة ومحنكة تعرف كيف تدير الصراع على كل المستويات، وهو في الحالة الثانية سيكشف نفسه وسيضعها في موضعٍ أضعف معنوياً وسياسياً يبرر لسورية أمام المزيد والمزيد من المضللين أن تقوم بكل ما يلزم للدفاع عن سيادتها والسلامة الإقليمية لأراضيها، فهذه خطوة سياسية استراتيجية لمصلحة الميدان، وهي ليست بلا مخاطر طبعاً، لكننا في حرب بالنهاية.
• كاتب أردني

Author: rami

print

مقالات ذات صله