آخر تحديث: 2017-12-14 22:16:28

عاجل

ليس مفاجئاً أن القاسم المشـترك بين الدول والقوى المستهدفة بالعقوبات الأمريكية هو موقفها الإيجابي من سورية

د. إبراهيم علوش:

كان الكونغرس الأمريكي مشغولاً خلال الأسابيع الأخيرة بإقرار مشروع قانون بفرض عقوبات جديدة على روسيا، وأخرى على فنزويلا، وعلى كوريا الديمقراطية، وعلى إيران، ومشروع عقوبات على «حزب الله»، وقد شهِد شهر نيسان الفائت فرض عقوبات أمريكية إضافية على سورية… وعلى الأغلب تسعى تلك العقوبات للضغط على شرايين الحياة الاقتصادية أو المالية أو المصرفية للدول والقوى التي تعدّها واشنطن «خارجة عن طوعها».. لكن العبرة لا تكمن في «الرغبة» الأمريكية في فرض مثل تلك العقوبات، بل في القدرة على فرضها، وهو ما يفترض أن يثير اعتراضاً جوهرياً ليس على «المشروعية السياسية» لفرض أي حزمة عقوبات في كل حالة فحسب، بل على هيمنة النخبة الأمريكية الحاكمة التي تشكل الكتلة الصهيونية جزءاً عضوياً مندغماً فيها، على مفاصل النظام الاقتصادي والمالي والمصرفي الدولي.. فذلك يمكنها من توظيف تلك المنظومة الاقتصادية الدولية لابتزاز الدول والجهات التي تخطو أي خطوة مخالِفة لواشنطن، ما يكشف جانباً مهماً من منظومة الهيمنة الدولية التي تحمل اسم «إمبريالية»، حتى لو لم تقترن بأي احتلال عسكري مباشر، ويطرح بقوة أهمية إيجاد منظومة دولية بديلة تحل محل منظومة الهيمنة الإمبريالية على العالم. وهذا الصراع المحتدم بين الإمبريالية من جهة، والنزعات الاستقلالية من جهةٍ أخرى، يمثل التناقض الرئيس في عالمنا المعاصر اليوم الذي يتراءى لنا اليوم أحد أبرز تجلياته المتفجرة على أرض سورية، وعليه ليس من المفاجئ بتاتاً أن نجد أن القاسم المشترك بين الدول والقوى المستهدفة مؤخراً بالعقوبات الأمريكية هو موقفها الإيجابي من سورية كعنوان للنزعة المستقلة في زماننا.
من البدهي أن صعود قوى دولية مستقلة مثل دول منظومة «البريكس»، وقوى إقليمية طامحة، من فنزويلا لإيران لكوريا الديمقراطية، اقتصادياً (الصين والهند) أو عسكرياً (روسيا) أو تكنولوجياً (إيران وكوريا)، المترافق مع صعودها السياسي المتمثل بتأكيد حضورها الإقليمي (من بحر الصين الجنوبي إلى شبه جزيرة القرم) وكذلك الدولة، بات يقوض أساسات الهيمنة الإمبريالية في العالم من أمريكا اللاتينية إلى أوراسيا، كما أن مركز ثقل الاقتصاد العالمي بات ينزاح تدريجياً نحو جنوب الكرة الأرضية وشرقها، يضاف إلى ذلك أن منظمة دول «البريكس» شرعت في تأسيس بدائل للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما تمكنت المصارف الصينية من تبوء المواقع الثلاثة أو الأربعة الأولى في قائمة أكبر البنوك العالمية، وقد كان هناك تسعة عشر مصرفاً صينياً من بين أكبر مئة بنك عالمي في العام 2016، وخمسة بنوك برازيلية، وواحد هندي، وستة بنوك كورية جنوبية، ولكن الكتلة المالية الأساسية في العالم، كما تتجلى في أصول أكبر مئة مصرف عالمي، لا تزال أمريكية شمالية وأوروبية غربية ويابانية، برغم الاختراقات النفاذة التي حققتها المصارف الصينية، ولذلك لا تزال السيطرة على حركة رأس المال الدولي في أيدٍ إمبريالية تقليدية، وهو ما يمكنها من الاستمرار في فرض العقوبات والتحكم بحركة رؤوس الأموال والتحويلات عبر الحدود، ولاسيما أنها لا تزال ممسكة بمقابض المؤسسات والأطر القانونية التي تجري حركة رؤوس الأموال ضمنها.
اقتصاد الولايات المتحدة لايزال الأكبر حجماً عالمياً بقيمة تفوق الـ18 ترليوناً والنصف ترليون دولار في العام 2016، مع الإشارة إلى أن الترليون يساوي ألف مليار، بينما يناهز حجم الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات دول «البريكس» مجتمعة حجم الناتج الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة وهو 16 ترليون دولار ونصف الترليون تقريباً، مع الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني وحده يبلغ 11 ترليون دولار ونيفاً، حسب أرقام 2016، بينما يبلغ حجم الاقتصاد الياباني حوالي خمسة ترليونات من الدولارات. فإذا أضفنا ترليوناً ونصف الترليون دولار هي حجم الناتج المحلي الإجمالي الكندي في العام 2016، وترليوناً وربع الترليون هي حجم الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي، فإن أكثر من 57% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، البالغ 75 ترليون دولار أمريكي، يكون إما أمريكياً شمالياً وإما تابعاً للاتحاد الأوروبي وإما يابانياً وإما استرالياً، من دون أن نأخذ في الحسبان المنصات الإقليمية التابعة للإمبريالية مثل كوريا الجنوبية (ترليون وأربعمئة مليار دولار عام 2016) والمكسيك (أكثر بقليل من ترليون دولار)، وأندونيسيا (أقل بقليل من ترليون دولار) وتركيا (أكثر من 800 مليار دولار)، ما يجعل «السوق العالمية» سوقاً تتحكم بها الإمبريالية حتى الآن، بالرغم من التقهقر الملحوظ لحصتها من الناتج الإجمالي العالمي خلال العقدين الأخيرين، ما يتيح لها فرض عقوبات تجارية واقتصادية، بغض النظر عن الذريعة، ومنع التصدير والاستيراد بشكل انتقائي يؤذي الدول المستهدفة أكثر مما يؤذي السوق العالمية.
ما سبق يطرح بالضرورة أهمية مشاريع التنمية المستقلة، وهي مشاريع تقوم على تأسيس قواعد اقتصادية وصناعية وتكنولوجية وعسكرية متكاملة في دول ذات توجه مستقل نسبياً أو كلياً عن المنظومة الإمبريالية استناداً إلى مشروع قومي، ومثل هذه المشاريع تختلف تماماً عن نماذج التنمية التابعة لتصدير السلع إلى دول الشمال والغرب تشكل العمالة الرخيصة عمودها الفقري، كما هي حال المكسيك وأندونيسيا مثلاً. فالتنمية المستقلة ليست مشروعاً اقتصادياً أو مشروعاً لرفع مستوى المعيشة فحسب، كفقاعات الاستهلاك المسرف في بلدان الخليج العربي الناتجة عن بيع الموارد الأولية مثل النفط والغاز للدول الصناعية المتقدمة، إنما هي مشروعٌ تنموي حقيقي طويل المدى، يتجلى مثلاً بتطوير التكنولوجيا والبحث العلمي، ومن ذلك مثلاً أن الصين والهند وروسيا والبرازيل، وكلها في «البريكس»، كانت من بين أكثر عشر دول تسجيلاً لبراءات الاختراع في العالم في العام 2014، فهي لا تكتفي بتصدير الخامات من أجل الاستهلاك، ولهذا تعدها الإمبريالية مصدر خطرٍ عليها.
كما أن تقدم الصناعة العسكرية من أهم معالم التقدم التكنولوجي في عالمنا المعاصر، وقد شغلت روسيا والصين المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي في تصدير الأسلحة عالمياً بين عامي 2012-2016، لكن سوق تصدير الأسلحة عالمياً لا تزال أمريكية وأوروبية غربية على الأغلب من حيث قيمة الأسلحة المصدرة، مع حلول أوكرانيا في المرتبة التاسعة، ما يساعد الإمبريالية على فرض حظر تصدير الأسلحة النوعية طبعاً، والمنتجات التكنولوجية، مع العلم أن الهند كانت أكبر مستورد للأسلحة في العالم خلال الفترة نفسها.
لكن الهيمنة الإمبريالية هي الاتجاه الهابط تاريخياً، والنزعة المستقلة هي الاتجاه الصاعد، في الاقتصاد والسياسة وفي القدرة العسكرية، ولذلك تحاول الإمبريالية إعاقة تقدم القوى الصاعدة دولياً وإقليمياً من خلال ورقة العقوبات، ومن خلال «الثورات الملونة»، كما تحاول أن تفعل في فنزويلا حالياً، وكما فعلت في ليبيا، وحاولت أن تفعل في سورية من قبل فكان الفشل مصيرها، وها هو مسمسارٌ جديدٌ يُدَق في نعش الإمبريالية في سورية مؤذناً ببدء عصرٍ جديدٍ تتحرر فيه البشرية بأسرها منها.
* كاتب أردني

print

مقالات ذات صله