آخر تحديث: 2017-10-20 23:57:32

عاجل

ماذا ينتظر العرب؟ … هل أدركنا أنّ الأزمات يمكن أن تكون بدايةً لقيام رؤية حضارية أكثر متانةً؟

إدريس هاني:

هذا «داعش» قبل أن يوجد في خطط الإمبريالية، كوسيلة لتفخيخ الخرائط وتفجير المدائن، هو الجزء الذي لم نبتره من لا وعينا المنطوي على إنكار الآخر والاستعداد لمحقه، نحن الذين أحببنا التعايش مع تاريخ لم ننظفه من متعلّقات التّوحش لأنّ حضارتنا لم تكتمل كحضور راسخ حدّ الملكة والامتلاك السليم لأدوات التواصل البديلة عن العنف المزمن فينا.. ظلت الكراهية ثقافة لا تبرح لحظات سلمنا وهي في الحرب غداء نستمتع به ونتباهى. كم أنتجنا يا ترى من شعر الكراهية وثقافة الانحطاط؟ «داعش» انبثق من ذلك الجزء المعتم من مخيّلة انحطاطنا.. من خيالنا الذي يستدعي الاستعمار والخراب. القضية هنا لها صلة بالعصبية الإمبريالية حيث قوامها الرأسمالية المتوحشة التي لا تؤمن بشيء ولكنها تستطيع أن تستثمر في كل شيء من أجل الإطاحة بكل اقتداراتنا. ليس لنا الحق في أن نحلم- نحن العرب- في وطن جميل في زمن إمبريالي غاشم. تستطيعون أن تهزموا جيوشاً جرارة، وتغزوا البلدان، ولكنكم لستم في مأمن من الخطر. لو كان الغرب ثالثياً لسهل على أي إمبريالية أخرى ممكنة أن تجعل البأس بين الكاثوليك والبروتستانت وعبدة الشيطان والطبيعيين شديداً، ولكن الإمبريالية لا تسمح بالحروب الأهلية حيث يوجد الثقل المركزي للرساميل.. انظر في تاريخ الاقتصاد السياسي الغربي لتدرك أنّ الإمبريالية تجدد نفسها وتحرص بشدّة على هشاشتنا وتحصين مجتمعها ليبقى على يقظة من الإنتاج وحماية دورة النموّ والرفاهية. لا يهمّ أن نسقط نحن لأنّنا لسنا في وارد تنفيذ نظرية المنافذ واستقرار العرض والطلب، فعلها كينز حين أعطى للدولة حق التدخل لإنعاش الدورة الاقتصادية وإعادتها إلى توازنها، وقد فعلها ترامب حينما استدعى ذاكرة الفيزيوقراط وخلط كل أوراق الاقتصاد الإمبريالي ليجعل من النهب وسيلة لتأمين استقرار بلاده الاقتصادي. بالفعل كل ما لدينا شعوب خارج تغطية الوعي التاريخي المطلوب، هي قطيع هائم بين ثغاء وخوار حيث الوعي يبقى مجرد ضربة حظّ.. لا شكّ في أنّ الانتصار ستكون له أثمان باهظة، غير أن ما ينتظر مجتمعاتنا المنكوبة كبير جدّاً. هل يا ترى أدركنا أنّ الأزمات، وإن عانقت التراجيديا، من الممكن أن تكون بداية لقيام رؤية حضارية أكثر متانةً؟ التفكير فيما بعد الانتصار على تخلّفنا هو التّحدّي اليوم. لقد هزمنا دولة الخيال المريض لأنصار إدارة التوحش، ولابد من أن ننتصر عليها بمزيد من الوعي للمضيّ بمشروعنا الحضاري بالتحدّي الذي يستدعي الاستجابة. كانت «داعش» بلاء تراجيدياً في ديارنا.. هو مركب يتواطأ فيه تخلفنا بالاستعمار وخططه. أخشى على العرب من سباتهم، فنهر التطرف يجري اليوم باتجاه الغرب، سيتدفق شطر منه باتجاه مصر وشمال أفريقيا وسيحاول إشغالنا بعجره وبجره.. من قال إن التطرف سيندثر من مجالنا المنكوب.. فما دامت هناك خطط مبيّتة للتقسيم والتفتيت فلابد من تصعيد إيقاع المناورة. هذا الإرهاب المتوحش الذي يقتل الإنسان في مدائننا ويهدم المساجد والكنائس وينشر ثقافة موت الإنسان والعدمية سيستمر بألوان أخرى. أصبحت الحكاية تتعلّق بالخطر المحدق بالأوطان، وانتحار المجتمعات بين يدي «ثوارها». والنباهة والقيافة الاستراتيجية هما البديل.. وآن الأوان كي تتوقّف ألاعيب الدويلات الصغرى التي تعوّض قزمتها الجغرافية بالتشويش واللعب مع الإرهاب من تحت الطاولة. التضامن العربي مطلوب اليوم على أسس عقلانية ومداميك استراتيجية. علينا أن ندخل عهد التعقيد ونتعايش معه بالنباهة المطلوبة، لا نتشبّث بالوصف الخلدوني حين وصف العرب بأنهم لا يتغلّبون إلاّ على البسائط، بل علينا أن نتعلّم صعود الجبال بمراس واقتدار.. نحن متفائلون بهذا المجد الممكن. المقاومة ليست قضية موسمية بل منهج الأمم التي تؤمن بالتدافع والصراع لتحافظ على مكانتها في عالم يتفتّت يمنة ويسرة. قال لي أخو الجهالة وهو يحاورني: إنّ الإمبريالية مفهوم متجاوز، كان الغبي جاهلاً بأساليب الإمبريالية المتطورة، تلك التي تستطيع يوماً أنّ تعوق تحررك بتحرر مزيف، وتنميتك المستقلة بتنمية التبعية وسيادتك «بالفوضى الخلاّقة»، وتفسد دينك بالتطرف، والأخطر إن هي اخترقت انتصاراتك وحوّلتها إلى مأتم. في هذا الوطن العربي المضام نتطلع بتفاؤل مفرط ورومانسي وعنيد إلى عهد التضامن، إلى سلامة الجسد العربي الجريح: مصر وهي تناور لتبقى الشقيق الأكبر المستوعب للقضايا العربية العادلة، سورية التي نهكها الظلاميون مستهدفين كيانها وجيشها ليحولوا قلب العروبة النابض إلى دولة فاشلة ويكشفوا بذلك ظهر مصر في نوبة من نوبات مخططاتهم، العراق الذي يغالب القدر ليستعيد الدولة والكيان، وسائر بلاد العرب الغارقة في نزيف يستهدف سيادتها وتنميتها ووحدتها. أمام العرب إذاً مهام أخرى: إعادة إعمار البنية التحتية والبنية النفسية.
* كاتب مغربي

print

مقالات ذات صله