آخر تحديث: 2017-11-19 10:22:01

عاجل

سـورية مـن الدفاع إلى الهجوم .. كلمة الرئيس الأسد رسالة ثبات على مبدأ لم تهزّه حرب

د. إبراهيم علوش:

لم نحقق النصر بعد، حتى لو كانت بوادره تلوح، كما أشار السيد الرئيس بشار الأسد في كلمته في افتتاح مؤتمر وزارة الخارجية والمغتربين. وقد جاءت الكلمة برمتها لتعكس حقيقة أن التحولات المفصلية في مسار الحرب على سورية قد ثبُتت أركانها وباتت خلف ظهورنا، لكن المخاطر لما تزُل، فالسياسات الغربية إزاء سورية لا تزال معادية، وإن كان المشروع الغربي في سورية قد فشل، فلا مكان للتواني والتقاعس الآن أو في المستقبل، لأن المعركة ضد الإرهاب ومشاريع التبعية للغرب لا تزال تدور رحاها على كل الصعد، ولو تغيرت لهجة التصريحات الغربية إزاء سورية اعترافاً بالأمر الواقع ليس إلا…
إن المنظومة التي وصفها السيد الرئيس بـ «الغرب»، كمنظومة هيمنة ومصالح نخب اقتصادية ومالية دولية في المحصلة، ليست سوى مرادفٍ آخر لمصطلح «إمبريالية»، ولاسيما أن السيد الرئيس لم يربط تعريف ذلك الغرب بحيزٍ جغرافي، إذ يمكن أن توجد تلك المنظومة في أقصى الشرق جغرافياً، كما أنه لم يربط الموقف منها بالعداء للمجتمعات أو للحضارة الغربية، بل بمقاومة مشاريع إخضاع الشعوب واستغلالها من قبل منظومة تمارس الاستعلاء والإملاء والاستقواء في علاقاتها الدولية حتى مع دول كبرى مثل روسيا. ومن هنا جاء تأكيد السيد الرئيس على ضرورة التوجه شرقاً، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، التزاماً مبدئياً ببرنامج الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة، إذ لا مساومة على استقلال سورية مقابل إنهاء الحرب عليها، والنزوع الاستقلالي في سورية وفي غيرها يستتبع صراعاً ظاهراً أو مستتراً مع قوى الهيمنة الخارجية لا ينشده أرباب الإرادة الحرة ولا يتمنونه، إنما هو قدر الأحرار الذي لا يهربون منه، وللحريةِ الحمراءِ بابٌ بكلِ يدٍ مُضرجةٍ يُدَقُ.
فصياغة جوهر الصراع بصيغة «شرق-غرب» أبعد ما يكون هنا عن منطق «صراع الحضارات» الذي طالما روج له «المحافظون الجدد» في النظام الأمريكي، لأن «الشرق» أيضاً ليس حيزاً جغرافياً بمقدار ما يمثل منظومة استقلال عن الهيمنة الإمبريالية في كل أرجاء المعمورة، فالشرق هنا يمثل تأكيداً على خيار سورية المبدئي في الانحياز للمعسكر المناهض للهيمنة الإمبريالية مع غيرها من الدول ذات التوجهات المستقلة في كل أرجاء المعمورة، وهي المنظومة الصاعدة تاريخياً من كوريا الديمقراطية والصين إلى كوبا وفنزويلا في أمريكا اللاتينية، فالرهان هنا على المستقبل وعلى الإرادة الحرة لشعوب الأرض، لكن الرهان الأهم يظل أولاً وقبل كلِ شيء على سورية والسوريين الذين واجهوا أعتى هجمة كونية فصمدوا وهزموها وشاءت رجاحة عقلهم ألا يعلنوا النصر عليها قبل الأوان.
التأكيد على استقلالية القرار العربي السوري ووحدة الأراضي السورية وعدم السماح للأعداء والخصوم بأن يحققوا في السياسة ما عجزوا عن تحقيقه في الميدان عبر الإرهاب، يأتي تحديداً لثوابتَ لا يتحقق النصر من دونها في الحرب المفروضة على سورية، أما التأكيد على أن العروبة هي جوهر الهوية الوطنية السورية، وأن قضية فلسطين لا تزال جوهرية، وأن الكيان الصهيوني لا يزال عدواً، وأن سورية ستبقى داعمة لكل مقاومة حقيقية في المنطقة، كمبادئ ثابتة في السياسة السورية، فهو رسالة الثبات على المبدأ الذي لم تهزه حرب ولم يستجلبه استنزاف، لأن جوهر النصر هو الحفاظ على الذات الوطنية، والذات هي العروبة والمقاومة والاستقلال الوطني، وفي ذلك عبرة ورسالة صمود وكرامة وطنية، لم تتوقف سورية عبر سني الحرب عن بثها، لكنها تحمل اليوم معنىً جديداً هو أنها تُقال لا في أصعب الظروف فحسب كما قيلت مراراً من قبلُ، بل في ظروفٍ مفضية للنصر، فهي تقال دوماً إنما لم يَعُدْ من الممكن أن يُساء فهمها أو أن تُعَدَّ من قبيل المكابرة على جرح، فقد باتت أقربَ لإعلانِ انتصارٍ لا نستعجله.
من القلمون الغربي إلى عمق البادية، يتقدم الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة وتزداد المعادلات الميدانية وضوحاً وإشراقاً مع انتقال مركز الثقل في العمل العسكري من تأمين المراكز إلى استعادة السيطرة على الأطراف. من الغرب إلى الشرق، أصبح عنوان «محاربة الإرهاب» العنوان الرسمي للحرب في سورية، بعيداً عن ترهات «تغيير النظام» وإلى ما هنالك من هراء، وإن كانت بعض الدول لا تزال تدعم الإرهاب في سورية، فإنما تفعل ذلك بما يكشف زيف خطابها نفسه، وبصورة أكثر خجلاً وتورية مما تعودناه عبر سني الحرب على سورية حتى أدخلها تخبطها في جملة تناقضات مع نفسها. فقد باتت للغرب والدول الخليجية سياسات متضاربة، سياسة ضد «داعش» وأخرى ضد الدولة السورية ومحور المقاومة وروسيا وثالثة تحاول التوفيق بينهما، كما باتت لديها سياسة رابعة للتنافس بعضها مع بعض على الأرض السورية. في المقابل، نجد ناظماً مركزياً لسياسات سورية وحلفائها هو محاربة الإرهاب وتالياً، وبالضرورة، دعم الدولة العربية السورية وأمن سورية واستقرارها. فالمحور المعادي يشهد حالةً من التفكك والتخبط والتوهان الاستراتيجي، بينما يشهد المحور السوري تماسكاً جوهرياً بالرغم من اختلاف المنطلقات العقائدية والمصلحية لمكوناته، والعبرة في حُسن إدارة الصراع، وهو ما أثبتت مؤسسة الرئاسة السورية أنها تفوقت فيه على النظام الأمريكي، كما تشهد مجريات الأحداث.
المواطن العربي السوري هو بيضة القبان، وقد تحمّل ما لم يحتمله إنسان في تاريخ الصراعات، وقد بقي واقفاً صامداً بالرغم من كل الضغوط المعيشية والحصار الاقتصادي والسياسي الذي تعرضت له سورية، فأكذوبة «النظام الذي يقتل شعبه» ثبُت سقوطها بصمود سورية جيشاً ودولةً ورئيساً، ولولا صمود المواطن السوري لما صمدت سورية، وإن مئات الآلاف الذين خرجوا لزيارة معرض دمشق الدولي كانوا يصوتون بأقدامهم للأمن والاستقرار في سورية ولهذه الدولة السورية في هذا الزمان والمكان، فلم يفت في عضدهم قصفٌ أو قذائفُ، إنما هي سورية انتصرت قبل إعلان النصر بقليل.
* كاتب أردني

print

مقالات ذات صله