آخر تحديث: 2017-10-20 23:57:32

عاجل

أمريكا البراغماتية ترى أنّ الاعتراف بالهزيمة أخفّ ضرراً من الصّمت والمشي فـوق جمرها الملتهب تحـت الرماد

 إدريس هاني:

يبدو أنّنا على بوابّة إعلان النّصر في سورية، فليس جزافاً أن تنطق الدولة الأمريكية، من خلال تصريحات روبرت فورد آخر سفراء واشنطن في دمشق، بأنّهم خسروا وربح الرئيس الأسد، وهو بذلك يهيّئ «المعارضة» الخارجية/ الحثالة للقبول بالهزيمة وكأنّه يخشى عليهم من صدمة قد يصابون بعدها باضطراب عقلي. ربما المهم في هذا أنّ أمريكا تحاول عبر أفعال الكلام، وهو مذهب أمريكي في اللغة، تبرير تهمة أنّ واشنطن تخلّت عن أولادها الذين ولدتهم سفاحاً على تخوم سورية، وأمريكا البراغماتية ترى أنّ الاعتراف بالهزيمة أخفّ ضرراً من الصّمت والمشي فوق جمرها الملتهب تحت الرماد، لكن من حيث العلاج النفسي «للمعارضة» فإنّني أعتقد أنّ المعارضة السورية – ونقصد هنا الخارجية تحديداً – في حاجة إلى طبيب بيطري وليس إلى طبيب نفسي. لقد «تحيونوا» سياسياً حتى فقدوا كل أحاسيس الإنسان، فالبيطرة تفيد هنا في تذكير هذا الحيوان «المعارض» بأنّ السّوي يدافع بالغريزة عن وطنه، إلاّ «المعارضة» السورية فقد فعلت الأفاعيل لتجلب بيزنطة إلى قلب دمشق.
الحديث عن «معارضة» الخارج لم يعد مهمّاً فقد تناسخت وانقرضت أجيال منها وأصيبت بداء الشيخوخة المبكرة، ذلك لأنّ أوائلهم دخلوا متاحف التّاريخ العلمي كقوارض سياسية منقرضة لأنّ العمر الجيولوجي لحفريات «المعارضة» السورية يعدّ بالسنوات فقط وليس بملايين السنين… «المعارضة» السورية تزعم أنّها ترفض العمل المسلح لكنها بشكل أو بآخر تشكل غطاء غير مباشر يمنح «الشرعية» للإرهاب.
لا توجد معارضة بينما الوطن وسط اللّهيب، لقد استغلت «المعارضة المعتدلة» -وفق القاموس الأمريكي- سياق التخريب في سورية لتظهر ملامحها الداعرة وفق مغالطة الحصر العقلي بين «خيار سيّء وخيار أسوأ»، وهي مغالطة حين تمرّ إلى فناء التّخاطب تصبح مقنعة للغافلين لأنّها تحمل نكهة المنطق وصورته، روبرت فورد الذي كان منسّقاً يقفز بين الأحياء والمدن السورية ويقدم تقارير أسالت لعاب واشنطن للتدخل يخاطب أصدقاءه بأن يتقبلوا هذه الحقيقة.
الانتصار السوري، الذي بات حتميّاً أكثر من أي وقت مضى، يفرض على التحليل السياسي أن يرقى إلى حجم هذا الانتصار وعمقه. الحساب الدقيق لبلاغاتنا والاستلهام من منطق انتصار يقوم على نسق استراتيجي بعيد المدى ورؤية استشرافية ممتدة ومقاربة مفاهيمية لمعادلة الصراع تتسامى على الإنشاء المفرط في خوائه الأيديولوجي.
هناك خصائص مميزة لهذا الانتصار ليس فقط على صعيد الصمود السياسي والمعنوي والحربي، بل على مستوى المزاج الذي أُديرت به رحى الصمود، إنّ الفكر الذي آمنت به القيادة السورية جعلها تتجاوز خطاب المشاعر من أجل مقاربة عقلانية لإدارة الأزمة، كلّ «الدروس» التي أعطيت لسورية من قبل البعيد والقريب وقفت عند الباب المسدود حيث فوجئوا بأنّ سورية بنيت على مداميك صلبة وبأنّها خلاف ما قال حتى أولئك الذين باتوا اليوم يتحوّلون من دون اعتراف بخطيئاتهم، هي ليست دولة ضعيفة ولا هشّة، بل الحقيقة ما نطق بها قبل سنوات هنري كيسنجر وهو يعبّر عن استغرابه من الطريقة التي بنت بها سورية نفسها على الرّغم من أنّها ليست بلداً نفطياً، إنّ غنى سورية يكمن في تاريخها وثقافتها وإنسانها، وتالياً هناك تكمن آبار المجد وحقول الطّاقة الحقيقية: الموارد البشرية. لقد استعمل النّفط ضدّ سورية طوال 7 سنوات من العدوان، وهذا يعني أنّ في الوطن العربي مدرستين في السلم والحرب: مدرسة التحديّ والموارد البشرية، ومدرسة الرجعية والاستسلام والريع النفطي، وصل التناقض بينهما حدّ التخريب الذي سمّي، في دعاية تفترض متلقّياً فاقداً للتمييز ومصاباً بعمى الألوان، «الربيع العربي»، حيث أزهر الإرهاب ونبت التّوحّش وجّفت مياه المروءة.
التحليل السياسي الحصيف يجب ألا يتسامح في استعمال المفاهيم بدربة عالية وانتقائها وفق معايير الجودة، لأنّ التسامح في بناء أنساق القول والتحليل سيحوّل الانتصار إلى أيديولوجيا هشّة لا إلى لحظة معرفة وحقيقة علمية يستتبعها قيام رؤية صلبة للدولة المنتصرة التي لن يسمح المتآمرون لها بالتّطور، بل سيخلقون لها أجيالاً جديدة من الحروب الساخنة أو الباردة، ومن هنا الحق في المناورة هو حقّ الدّولة حين تحمل ثقل مسؤولياتها داخل مجتمع دولي ملتبس في انتظامه وعلاقاته، الحاجة إلى الدولة العربية القويّة ينبع من داخل لهيب التحدي والصمود، لأنّ الحرب هي فرصة أيضاً لتجاوز الأخطاء وتقوية الجوانب الإيجابية.
سورية استثمرت في مجدها التاريخي ورصيدها السياسي الذي لم يكن أحد ينتبه إلى قيمته في زمن السّلم، إنّ خطابها المجتمعي والسياسي ساعد على شدّ عصب الانسجام المجتمعي على الرغم من وجود ثغرات حاول العدو ا ستغلالها عبثاً. إنّ سورية نجحت رغم كل الصعوبات في أن تبني رأسمالها الرمزي مقابل التحديات التي واجهتها على صعيد رأس المال المادي في ظروف الحصار، لقد نجحت في أن تجعل من سورية بلداً لكل عربي متى كان وفيّاً للمروءة.. إنّه الشعور الذي أنتجنا وعليه أن ينتجنا باستمرار وفاءً لسورية الحبيبة التي استشعرت فيها ذات مرّة حرّيتي كعربي عاش الاضطهاد والهجرة والتّيه، لم أكن أعرف هل للعربي قيمة في العالم حتى رأيتها في سورية. كنت لا أتحدّث عن سورية يوم كان يتحدث النّاس، لكن حين هجم التّتار وظهر المنافقون اهتز ضميرنا ورأيناها حرباً علينا، إنّنا نحلم بسورية التي يجب ألا تفقد لونها كما كانت دائماً مأوى الوجود العربي، وإنّ 7 سنوات من الجراح يجب ألا تفقد سورية يانسونها وياسمينها الفائح ودماثة مجتمعها المميّز… يمكن أن تختفي أمريكا وقارات أخرى من العالم لكن العالم لن يكون من دون سورية.

  • كاتب مغربي
print

مقالات ذات صله