آخر تحديث: 2017-11-19 10:22:01

عاجل

“اللقى” بين أن تكون كنوزاً أو ألغاماً.. أغلفة الكتب المدرسية والمواجهة المحتومة

علي الرّاعي ـ تشرين أونلاين :

ليس مُستغرباً، هذا الالتباس الكبير، الذي وقعت فيه كل الأطراف المعنية بمسألة المناهج المدرسية؛ الالتباس الذي أثارته الصور واللوحات المنشورة على أغلفة الكتب المدرسية التي أصدرتها وزارة التربية للعام الدراسي الحالي (2017- 2018) من جدلٍ وسجال سيستمرُّ طويلاً.

هجوم وهجمات مرتدّة

لبسٌ وقع فيه الجميع: المعنيون في وزارة التربية، والطلاب، وأهالي الطلاب، وحتى النقاد المختصين والمثقفين؛ الذين اختلفت قراءة تلك اللوحات – الأغلفة فيما بينهم لدرجة التباين الشديد، وفي حين راح “الشارع الفيسبوكي” يشن حملات الهجاء على “سوء الأغلفة وقبحها”، كان ثمة نقاد وفنانون تشكيليون؛ ينظمون “قصائد المديح” لصواب اختيار وزارة التربية للوحات الرواد من الفنانين التشكيليين السوريين، مما يُساعد في تعميم جماليات الفنون التشكيلية بدل حصن النخبوية التي تتحصن داخله، وهذا ـ بصراحة – أمر متوقع حدوثه، وذلك نتيجة “الأمية البصرية” التي تنتاب المجتمع السوري “المهووس بالشافهية” على حساب المتعة البصرية، وهو الأمر الذي كان وراء تفوّق “إبداع” أقل شأناً من غيره – الدراما التلفزيونية تحديداً- على بقية الفنون البصرية، ولاسيما الفنون الجميلة، فكان “الخطأ” القاتل اختيار القائمين في وزارة التربية لصور لوحات لأعمال فنانين محليين، أو صور للوحات بعض المستشرقين من قرونٍ مضت، وحتى صور للقى أثرية ومنحوتات وتماثيل مغرقة في قدمها في الحضارة السورية البعيدة، دون دراسة كافية لأهمية تلك الأعمال أو ضرورتها ومناسبتها لمضامين تلك الكتب، وحتى دون مُراعاة للذائقة المحلية، لذائقة لم تتعوّد بعد على قراءة اللوحة والعمل النحتي، بيئة اجتماعية لاتزال تنظر إلى العمل النحتي على أنه “صنم” وتخلو شوارع مدن مجتمعاتها وقراها من الحركة عند عرض مسلسل تخريبي بائس مثل “باب الحارة” وأمثاله، بيئة اجتماعية، تحمل فؤوسها عند أول فرصة لإطلاق العنان لأزمنة الجاهلية وتُحطم “الأصنام” التي هي تاريخ ثقافي وجمالي لحضارة عمرها من عمر الإنسان المُتحضر نفسه.

التخويض في الوحل

خطأ وزارة التربية؛ أنها لم تُراع مثل هكذا ذائقة، وهي التي وضعت حصص الرسم والموسيقا وغيرها من حصص تنمية الذائقة الجمالية للطالب في آخر اهتماماتها، ومن ثمّ فجأة تضع أصحاب تلك الذائقة في مواجهة مع ما يُمكن أن نطلق عليه في النقد التشكيلي والجمالي “جمالية القبح” وحتى يصل المتلقي لتذوق مثل هذه الجمالية، فهو يحتاج للكثير من تدريب العين على مختلف أنواع الجماليات، ويبدأ الأمر بالتدرج، وليس بمبدأ “الصدمة” التي أنتجت كل هذا الجدل والسجال، الذي أدخل الجميع بأقرب حيط، حتى إن التبرير الذي قدمه كل من وزير التربية، ـ والذي قبل أن يكون وزيراً، هو قاص وروائي ومترجم،ـ وكان عليه أن ينتبه لمثل هكذا “سقطة” وكذلك توضيحات مدير المناهج دارام طبّاع، تلك التبريرات التي لم تزد طين السجال بللاً وحسب، بل جعلت الجميع يخوض في الوحل.

كنوز وألغام

فما هو المغزى أن يكون غلاف كتاب التربية الدينية صورة لوحة تشكيلية لأحد المستشرقين في القرن التاسع عشر، يُظهر وسيلة التّنقّل الوحيدة في سورية وهي الحمير، وما مغزى من وضع صورة لتمثال ملك مملكة ماري ايتور شماكين الذي بني قبل 2500ق.م على غلاف كتاب قضايا تاريخية للصف الأول الثانوي، مع أن في هذه المملكة منحوتات غاية في الروعة، وهنا نُذكر بآلهة الينبوع ذلك التمثال الجميل الذي كانت صورته تُزين عملة سورية من فئة الخمس ليرات الورقية ذات حين، وهو من إبداعات ذلك الزمن أي مملكة ماري.

في تبريره لكل هذا “التخبط”؛ يقول  الدكتور طبّاع: إن الأغلفة الموضوعة على الكتب الجديدة ليست مرعبة، بل المرعب هو عدم الدراية بهذه الكنوز السورية التي تزخر بها بلادنا ويقدرها الناس في كل أنحاء العالم وبعضنا يراها مرعبة. هذا صحيح، لكن المرعب أيضاً أن من كانت المناهج المدرسية بيده، ولا يعلم شيئاً عن مستوى وعي من يقدم إليه مثل هذه “الكنوز” والاختيار الخاطئ؛ هو رعبٌ أيضاً، ذلك أن اللقى ليست كنوزاً دائماً، بل ثمة ألغام أيضاً.

نحن لازلنا نتحدث عن الغلاف أيها السادة، أما الفاجعة؛ فهي تلك الكامنة بين دفتي الغلاف..!!

print

مقالات ذات صله