آخر تحديث: 2017-10-19 13:07:23

عاجل

ماذا بقي للعملاء …؟

 إدريس هاني:

يؤكّد المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط وجنوب آسيا رتشارد مورفي الذي سبق أن شغل منصب سفير في عواصم عدة مثل الرياض ودمشق وهو طرف في اتفاقية مشهورة بـ«اتفاقية مورفي- الأسد»، أنّ الرئيس بشار الأسد سيبقى وأنّ أمريكا غيّرت رأيها بعد أن تراءى لها غير ذلك، وجواباً عن سؤال الصحفي: هل هذا مبني على معلومات ولقاءات مع شخصيات، يقول مورفي: لا، يمكن التوصل إلى هذا الاستنتاج من خلال المواقف الأمريكية المعلنة. ربما هي قراءة بين السطور. هناك إدراك بأن الرئيس الأسد قوّة يجب أن تؤخذ في الحسبان في سورية اليوم.
قبل سنوات كان السيد مورفي يحمل تصوراً عن سورية يشبه تصور ما يسمى «الائتلاف» و«الجيش الحر»، ولكن استطعت أن أشرح له ما يجري بالتفصيل.. وكانت لذلك حكاية:
حين قدم السيد مورفي رؤيته عن سورية ورأيت أنها تشبه -ككل العروض- ما يشبه تقارير وزارات الخارجية، قلت محتجّاً في لقاء جرى في باكو: نحن هنا لا لكي نسمع تقارير وزارات الخارجية. كان السيد مورفي يتأمّل ملاحظاتي إزاء تصريحات مبعوث جامعة الدول العربية في أنقرة، حين قلت له: إنّ الحساسيات الطائفية والفتنوية نبتت من داخل الجامعة العربية.. تحسب لمورفي لياقته العالية في العلاقات العامة.. لقد جلسنا بعد أن عرفني إلى زوجته التي حضرت الحديث بينما كان يتحاشى مبعوث الجامعة العربية وغيره ممن كانوا يريدون أن ينضموا للحديث حتى بقينا مع بعضنا. قال لي: أنت تقول لا يوجد قتل للشعب. كيف، ألا يوجد قتل؟ قلت له: إنّ تلفزيونات العرب المدعومة بالصمت والتشجيع من قبل الدول الغربية هي من ينقل الصورة الدراماتيكية. إنّ الجيش العربي السوري يقاتل مسلحين حتى ذلك الوقت لم يرد الإعلام العربي أن يسلط عليهم الضوء ويقول: هناك فقط «مدنيون.. مدنيون».. هناك توجد في سورية «القاعدة».. المسلحون الذين تحاربونهم في أفغانستان هم أنفسهم من يقاتلون ضد سورية.. لماذا هناك تعدونهم إرهابيين وفي سورية هم «معارضة»؟!
ازدادت غرابة مورفي وظهر لي أنه إذا كان أمثال مورفي الذين كانت لهم مهام في سورية وأفغانستان وعموم الشرق الأوسط وآسيا الجنوبية متأثرين بما تقدمه وسائل إعلام هي طرف في حرب مفتوحة على سورية، فكيف بالمتلقي العربي الذي لا مصدر لديه للمعلومة سوى ما يصنعه إعلام صناعة الزيف والأكاذيب، ولا يردد أسطوانتهم المشروخة سوى مضلل أو أداة في ماكينة ممتدة من الرأس حتى الذيل. قلت له: أنا الآن جئت من سورية.. وعاينت ما عاينت.. من فوق ومن تحت..
تعجب: كيف كنت هناك؟ أليس الأمر خطيراً؟
قلت: نعم.. ومع نفسي قلت: «كمان شربت أركيلة وشربت كاسة شاي أكرك عجم».. كيف يمكنني أن أشرح له هذا الأمر؟
كان مورفي يستمع جيداً.. وقلت له: دعك مما قاله مبعوث الجامعة العربية قبل قليل، فهو يشتغل في منظومة معادية لسورية.. هؤلاء جزء من الحرب على سورية.. هناك مسلحون عاينّا آثارهم منذ بداية الأزمة، وهم من أربك المسار الطبيعي للتسويات التي كانت قائمة إذ تمت الاستجابة لكل المطالب آنذاك، بعضها تمت الاستجابة له على الفور وبعضها كان يتطلب سقفاً زمنياً موضوعياً، ولكن التشويش الإعلامي غطّى على تلك الاستجابة التي مازالت موثقة في شكل مراسيم رئاسية غيرت بنوداً في الدستور تعد تطوراً في بنية النظام القائم. ثم لا ننسى أنّ المحاور الإقليمية التي أشرفت على هذه الحرب لا تتوفر أصلاً على (لا أحم ولا دستور)..
قال لي مورفي: كان الراحل حافظ الأسد صديقي، وهو بالفعل رجل حكيم لكنني لا أعرف الرئيس بشار الأسد.
قلت له: إن كان حافظ الأسد حكيماً فأبو حافظ (بشار) شخص مثقّف جداً وله فهم استراتيجي لما يجري في المنطقة وفي العالم، وهو شخصية متحضّرة جدّاً، بينما خصومه لم يخفوا من البداية توحّشهم الذي يعيدنا إلى عصر ما قبل ميلاد الدّولة.
لا أخفي أنّ الحديث مع السيد مورفي هو مدرسة في العلاقات العامة.. وكذلك لا أخفي أنّه كان أكثر تهذيباً ولياقة من الحرفوش: مبعوث الجامعة العربية الذي كان ينطّ بقلة أدب ووعي وبكثير من الثرثرة. اليوم بعد سنوات إذاً، يتغير رأي مورفي ولو قليلاً بالنسبة لدبلوماسي مخضرم. ولكن وصل أخيراً إلى ما قلته له قبل سنوات، وأظهر تأثراً بالغاً حينئذ، حين وجهت كلامي لمجموعة أخرى وكان هو من بينهم، ردّاً على كبير الباحثين في أحد المراكز الأمريكية، كان محيّاه يذكّرني برعاة البقر أو الشِّريف تيكست ويلر: اسمعوا (قلتها بدعابة حيث الأمريكيون أنفسهم صفّقوا بينما المساميم الأعراب أظهروا تبرّماً) أنا أعرف أنكم تحبّون لعبة القمار.. وأنا أراهنكم من هنا وأمام الجميع: لن «يسقط» الرئيس الأسد.. كانت القاعة تكتظّ حينئذ بسفراء بلدان أذكر منها قطر والإمارات ومصر وبلداناً عربية أخرى وتركيا.
* كاتب مغربي

print

مقالات ذات صله