آخر تحديث: 2017-10-19 13:07:23

عاجل

د. جبور: اللغة العربية حصيلة تراث اللغات السامية وإعجازها اللغوي في القرآن

ثناء عليان ـ تشرين أونلاين:

اللغة كما عرّفها العلماء العرب القدامى مثل ابن جنّي والجرجاني هي: “أصواتٌ يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم”، وهي مصدر من الفعل لغا لغواً ولغةً أي تكلّم، ولا شك أن اللغة أعم وأشمل من هذا التعريف البسيط فهي لا تقتصر على المنطوق من الكلام بل تشمل المكتوب والإشارات والإيماءات والتعبيرات الوجهية التي ترافق الكلام وسلوكه، ومن الصعوبة الفائقة معرفة متى وأين وكيف بدأت لغة الإنسان الأول؟.

بهذا التعريف للغة بدأ الدكتور باسم جبور المختص بلغات الشرق القديم وحضاراته محاضراته التي ألقاها مؤخراً في المركز الثقافي في طرطوس، تحت عنوان “اللغة العربية وأخواتها”، أشار فيها إلى أن اللغة استمرت منطوقة لمراحل طويلة من التاريخ البشري وانتقلت شفوياً عبر أجيال كثيرة حتى ابتدع الإنسان فكرة التدوين في نهاية الألف الرابع ق.م.

ولفت جبور إلى أن  الكتابتين السومرية والهيروغليفية تمثلان أقدم أشكال الكتابة التي عرفتها البشرية، إذ يصعب الجزم بأسبقية إحداهما على الأخرى، لأن بداية الكتابتين تعود إلى الفترة ذاتها في أواخر الألف الرابع ق.م، مشيراً إلى أن الكتابة مرّت بمراحل عديدة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من دقة وانضباط وتطور.

ومن هذه المراحل: الكتابة التصويرية،  وقد عُثرَ في أوروك القديمة على 750 رقيماً يحمل كتابات تصويرية، والمرحلة الرمزية: حيث يوجد مجموعتان أساسيتان من الكتابة الرمزية التي تعود للألف الثالث ق.م في نصفه الأول، والكتابة المقطعية: وهي المرحلة التي جردت الكتابة من طابعها التصويري والرمزي على حدٍ سواء، واعتمدت على المقطع الصوتي من الكتابة.

أما الكتابة السينائية: وهي المرحلة الانتقالية للأبجدية وتمثل حلقة الوصل بين التصويرية والأبجدية، وهي كتابة كنعانية قديمة خطّها كنعانيون يعملون في مناجم الفيروز والنحاس لحساب فراعنة مصر ويعود تاريخها لمنتصف الألف الثاني ق.م وقد عثر عليها في سيناء وتمثل خمسين رقيماً تعتمد مبدأ الصورة والصوت في آن معاً، إضافة إلى مرحلة الأبجدية، والتي ظهرت في منطقة أوغاريت (رأس شمرا) في القرن الرابع عشر ق.م. فاستعارت الخط المسماري القديم وأصبح لكل علامة مسمارية صوت خاص يدل عليها وكانت الأبجدية ثلاثين صوتاً.

وبيّن جبور أن اللغة العربية تنتمي إلى مجموعة ما يعرف باسم اللغات السامية والتي تقسم الاعتماداً على أماكن انتشارها إلى شرقية وغربية وجنوبية، حيث تتمثل المجموعة الشرقية باللغة الأكدية القديمة التي انتشرت مع استلام الملك شركين زمام السلطة في مملكة أكد في القرن الرابع والعشرين ق.م وتنقسم إلى قسمين رئيسين هما (البابلية جنوباً والآشورية شمالاً).

أما المجموعة الغربية: فتقسم إلى قسمين رئيسين هما: الفرع الكنعاني: ويضم عدداً من  اللغات المستخدمة في بلاد الشام وفلسطين وهي: اللغة “الأوغاريتية”: وهي لغة النصوص المكتشفة في رأس شمرا في اللاذقية، واللغة الفينيقية، وهي لغة الأقوام الفينيقية التي أقامت مدناً لها على سواحل المتوسط، واللغة “المؤابية”، وهي لغة القبائل التي استقرت في شرق نهر الأردن في القرن التاسع ق.م. والمعلومات عنها قليلة إلى حدٍ كبير، واللغة العبرية، وهي إحدى اللهجات الكنعانية وتمثل النصوص المكتشفة على ساحل البحر الميت والمعروفة باسم “لفائف” البحر الميت، واللغة “الآرامية”، التي ظلّت تحتل مكانة رفيعة ومركزاً مهماً حتى جاءت العربية ونافستها وحلت محلها، أما اللغة السريانية: فهي لهجة مدينة الرها (أورفا) شمال سورية وهي لهجة الآراميين المسيحيين وكانت السريانية لغة الدين المسيحي فانتشرت في كل البقاع ولاسيما في الشرق ووصلت إلى الهند والصين مع المبشرين المسيحيين.

لقد مرت العربية بأطوار عدة ومتنوعة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من كمال – بحسب الدكتور جبور – فكانت الوريثة الشرعية لأغلب اللغات السامية القديمة فكانت اللغة الأخيرة التي انفصلت عن اللغة الأم وأخذت ما في أخواتها من مزايا فاستفادت من الآرامية والكنعانية بلهجاتها المختلفة واستخدمت الخطين النبطي والسرياني في كتابتها وتبلورت بشكل كامل في اليمن والحجاز حيث تأثر اليمنيون بالحبشية وتأثر الحجازيون بالآرامية والعبرية ثم جاءت هجرة الجنوبيين إلى الشمال واحتكاكهم بهم ممّا ولد لغة مشتركة في شبه الجزيرة العربية حتى تكلل كل هذا بلهجة قريش الشمالية.

وأضاف جبور: ولو بحثنا في نشأة العربية تدويناً لكان علينا البدء بالقرآن الكريم قبل الشعر الجاهلي، وذلك لأن صحف القرآن قد دوّنت قبل الشعر الجاهلي الذي بقي يتناقل شفوياً لفترة طويلة بعد الإسلام، وظلّ هذا شأن العرب في صدر الإسلام، ولمّا بدأت فكرة التدوين تأخذ طريقها في تسجيل أحداث ذلك الوقت بدأ الرواة يفكرون بتدوين الشعر الجاهلي في القرنين الثاني والثالث للهجرة.

ويختم الدكتور جبور محاضرته بالتأكيد على أن اللغة العربية هي حصيلة تراث اللغات السامية التي ورثتها واستطاعت أن تحل محلها، وقد استفادت كثيراً من أبواب الآداب البابلية والآشورية والآرامية والسريانية وموضوعاتها وفنونها ووسائل تعبيرها، وكان إعجازها اللغوي في القرآن الذي أسس لدراسات لغوية وأدبية وفقهية فيما بعد مع بداية عصر التدوين.

 

print

مقالات ذات صله