آخر تحديث: 2017-12-15 12:22:52

عاجل

ماذا بقي «للمعارضة السورية» في الخـارج؟

 إدريس هاني:

تبخّرت أحلام «المعارضة السورية» في الخارج تحت طائلة التّحوّلات السريعة في المنطقة، حيث المسألة السورية لم تكن يوماً قضية جزئية منفصلة عن هذه المعادلة الإقليمية. ظنّت «المعارضة» في مبتدأ مخطط(أ) أنّ «سقوط» سورية هو حتمية يحددها السياق العام «لربيع» إسقاط الكيانات العربية، ولكنهم اليوم بعد سبع سنوات من العناد الفارغ والمغالطات القصوى واجهوا مكر التّاريخ وهم يدخلون طور التعقيد الجديد لمخطط(ب)، حيث انهار النسق المغشوش الذي استندت إليه «المعارضة السورية» خلال هذه السنوات.
في المنظور الاستراتيجي لأفعال الكلام لا يمكن أن تخضع الخطة(ب) لمفهمة الخطة(أ)، لأنّ هذا يفتح المجال للعبثية السياسية. خسرت «المعارضة» الفارغة فرصاً تاريخية قدمها الوطن السوري لأبنائه متسامحاً حتى مع من لغا. غير أنّ تشكيلات «المعارضة» في الخارج كانت تفتقد لاستقامة أيديولوجية ومصداقية واستقلالية القرار، فخسرت كل فرص الحل السياسي ولاسيما بعد أن راهنت وتعاونت موضوعياً مع الإرهاب الذي خرّب البلاد وجار على العباد.
اليوم تعيش المنطقة على وقع تحولات جديدة، لنتحدّث عن «ربيع» الانفصال الذي هو الصيغة البديلة عن «ربيع عربي» قدّم نفسه نباتياً لكنه سرعان ما كشّر عن أنيابه ليصبح «ربيع» أكلة اللحوم البشرية. هناك ما يوحي بنهاية عهد «إسقاط» الكيانات بل الدخول مباشرة في رهان التفتيت، وهنا بات الوتر الحساس الذي يساهم العزف عليه في تحقيق هذا الهدف هو التنوع الذي يقوم عليه النسيج الاجتماعي في المنطقة.
في ظرفية تعاني من الفوضى يمكن تحويل أي شيء طبيعي إلى غير طبيعي في زمن يراد للمنطقة أن تكفر بمكوناتها وتاريخها ومطالبها وثقافتها وأن تطبّع مع كل شيء نشاز. اليوم باتت المسألة الكردية ورقة مناسبة لتحقيق الرغبة الإمبريالية في إعادة تشكيل خريطة المنطقة.
ما أسميه بالتضحية بالنموذج يشكل عنواناً للمخطط الجديد، حيث سيكون ضحايا سياسة التقسيم هم المقربون في الحلف الغربي نفسه، وتماماً كما حصل في تونس إبان ما عرف بـ «الربيع العربي»، فإنّ البداية هي استغلال البؤرة الأضعف في منظومة الحلفاء، فبعد أن تبيّن بأنّ السودان لا يصلح نموذجاً للتفتيت، حيث جاء الانفصال في ظرفية استثنائية، فإنّ العمل على تقديم قربان من داخل الحلف الغربي سيفرض حراكاً داخل أطراف غربية: إسبانيا والمسألة الكتالونية. تزامن قيام الكتلونيين بتنظيم استفتاء حول الانفصال مع تنظيم الكرد للاستفتاء في كردستان. الحديث هنا عن البارازاني هو تفصيل في معادلة إقليمية صعبة، يتقاسم الأدوار فيها لاعبون دوليون وإقليميون، تصل المؤامرة إلى المنطقة مقسّمة في صورة أدوار تبدو للرائي أنها أحداث. وفي الواقع عموماً والواقع السياسي خصوصاً لا يمكن فصل الحدث عن سياقه ولا عن الكل الذي يمنحنا رؤية عامة لفهم التفاصيل. ففي كلّ إقليم وقارة يوجد لاعبون تنتهي عندهم الأدوار مجزوءة فيعمدون إلى إيجاد تفاصيل داخل هذه الأجزاء ما يخرج الحدث التفصيلي من الحدث الكلّي، وهذا ما نعتبره أمّ المغالطات السائدة في التحليل السياسي للأحداث.
تبدع الإمبريالية في وسائل المغالطة والخداع، وتستطيع أن تحقق اختراقات داخل مزاج اللاعبين للأدوار التفصيلية فيظنون بقوة الإيحاء أنهم هم اللاعب الأساسي في المشهد الإقليمي والدولي.
وهكذا اتضح أنّه لا «المعارضة السورية» في الخارج ولا الرجعية التي أشرفت على تأطيرها كانوا على علم بالتحولات الجديدة.. اليوم وجب التفكير في مآل «المعارضة السورية» في الخارج وماذا بقي في جعبتها من مغالطات تستطيع استعمالها اليوم بعد أن فشل المخطط وانشغلت عنها المحاور الإقليمية الداعمة لها.. انهار «داعش» و«النصرة» وهما الأقوى، حيث لم يعد لما يسمى «الجيش الحرّ» إمكانية للصمود، وأمام هذا الانهيار هناك محاولات للهروب الجماعي لأنهم أدركوا أنّ لغة الماضي لا تصلح لغة لليوم.
اليوم ليس على المعارضة سوى أن تهرول قبل أن يسدل الستار نهائياً لطلب استعطاف السيد الرئيس بشّار الأسد الذي سبق أن صرّح بأن القرار في هذه المسألة يعود إلى الشعب.. الحليف الأول «للمعارضة» اليوم يواجه تحدّي الانفصال بينما الحليف الثاني يواجه تحدّي المواجهة داخل البيت الخليجي، أما الحليف الثالث فقد يمّم وجهه باتجاه موسكو، بينما العالم تجاوز الحديث عن «إسقاط نظام» حيث لم يعد من المنطقي الحديث عن «إسقاط» نظام قاوم 7 سنوات نصف العالم وكل المخطط الأمريكي والصهيوني. لو كان لدى «المعارضة» في الخارج، وعلى رأسها الائتلافات الموسمية، ذرة من الوطنية، لفهموا بعد 7 سنوات، أنّ وطناً بهذه القوة والصلابة والعزيمة لهو وطن يستحق أن يُحمى بالأحداق.
* كاتب مغربي

print

مقالات ذات صله