آخر تحديث: 2017-12-15 12:16:52

عاجل

في “النجاة حدثٌ مملٌّ للغاية”.. سارة حبيب: تجيءُ الأشياءُ نصفاً نصفاً كما لو أنها نسيت تتمتها

علي الراعي ـ تشرين أونلاين:

“لو كنتَ موجوداً لكنتُ ضممتك

باللهفة التي يعصر بها

رجلٌ بذراعٍ واحدة

امرأته.”

تتنوّعُ مظاهر الدفقات الشعرية على غير مستوى في مجيئها في مجموعة الشاعرة سارة حبيب “النجاة حدثٌ مملٌّ للغاية” الصادرة عن دار أرواد بطرطوس مؤخراً. غير أنها تشتركُ في أكثر من ملمحٍ أيضاً لعلّ أوضحها؛ أنّ الشاعرة تحلُّ ضفائر القصيدة خصلةً خصلةً لترخيها على ظهر بياض الصفحات في خمسٍ وثلاثين متواليةٍ شعرية، بمعنى أنّ سارة حبيب اختارت التوليدات كتشكيلات لمظاهر القصيدة، تلك النصوص التي تتناسل من ذات العنوان حيث تنسلُّ منه عشرات الومضات الشعرية، تفصلُ بينها بأرقام عوضاً عن عناوين فرعية مكتفيةً بالعنوان الرئيسي كعتبة لهواجس تلك الومضات وهمومها.

ذلك من حيث الشكل، أما من حيث شواغل القصيدة التي اتخذت في مجملها النواسان الحزين، فالشاعرة تكاد توقف حكايتها الشعرية رثاءً على الأشياء التي تأتي دوماً ناقصة، أو نصفاً نصفاً، وكأنها نسيت اكتمالها أو ضيعت تتماتها في مكانٍ وأزمنة بعيدة، لتبقى أماني “البقية التي تأتي لاحقاً” معلقة على باب ال”قاب القوسين” المفتوحين دائماً على المُشتهى البعيد. كل الخراب مستمرٌ كجدول، وحدها الحياة تأتي على دفعات تماماً كمعونات النازحين، مسروقٌ أغلب محتوياتها.

“اشتراكية عاطفية

وقت تقول أنت

“عندي فرط حب”

فينتفضُ قلبي

لاحتمالات توزيعه.”

كلُّ الشهقات الشعرية في هذه المجموعة؛ تشهقُ للبعيد الذي ينقصنا، أو نخافُ من فقده على مدى الأيام المبتورة في وصولها. ربما وحده الخراب الذي يأتي كاملاً لا تنقصه حبة يباسٍ واحدة، من هنا تبدو القصائد في “النجاة حدث ممل للغاية” توصيفاً لتعسف الوصول إلى الحياة الممكنة، ومرارة العيش مقابل السهولة المُفرطة في الموت، لاسيما وأن الشاعرة تُشابك كل شواغلها معاً في معتركٍ واحدٍ في الحياة من وطنٍ يكاد ينزلق بين الأصابع كرمل إلى حبيبٍ هو الآخر استحال أن يأتي بكامل لياقته العاطفية.

في مختلف هذه التنويعات الشعرية؛ تُحاول الشاعرة أن تلتقطَ ما لا تراهُ العين العابرة، أو لا يُمكن أن تتنبه له في زحمة الحياة، أو قد تُشكلُّ مشاهد وأحداث من عين هذا الواقع الذي يذهب بعيداً في شطحاته السوريالية، في هذا “الوطن الطافح بالحزن.. فيلمٌ يرفض أن يحترق بالضوء”.

“أنتَ لم ترحل بعد؛

لكن يدي استباقاً

في وضعية التلويح.”

إنه الفيلم السوري الذي طال أكثر من كل أفلام العالم؛ فيلمٌ سوريٌ طويلٌ من الحزن تجعل المرء دائماً على أهبّة التحسب. هنا كلّ الأمور آيلة للخراب، باستثناء الخراب نفسه. وهنا أيضاً ثمة “هايكو” من التوصيفات التي يقوم على حل اللغز، وغالباً تتكوّن من مقطعين؛ سؤال حزين ينتهي بحوابٍ مفعمٍ بالمرارة. أو تفسيرين، أو جمل اسمية استفاهمية مرة، ومشروطة مرةً تالية. أو قد تكون تعريفات جديدة لمفاهيم ومصطلحات معتادة وقديمة تمً إخراجها من عاديتها وانزياحها لصورة جديد فا”المثلية” على سبيل المثال “أن أصير رجلاً لأنساك”.

هنا حتى الحب في زمن اليباس العاطفي، ورغم مرارة بطء العيش؛ يأتي سريعاً وقفزاً كغزال السفوح؛ على دروبٍ محفوفةٍ بالنهايات الموجعة، طرقاته دائماً في انعطافات خطرة وعلى احتمالات التلويح للفقد والفراق. هو دائماً كبضاعة جميلة لكنها للعرض فقط مهما اقتربنا من واجهتها، أو كالحمل الكاذب الذي يكبرُ فينا ثم ليكون كل ذلك الحجم زيفاً.

في مجاز الشعر؛ كل الكلمات جاهزة لاستعراض رشاقتها في صفحات سارة حبيب، ضمن تراكيب وقوالب جديدة من صنع الشاعرة. كلّ التوليفات ممكنة، من هنا أيضاً يبدو السؤال غيرُ مجدٍ كيف يُجاور مقطعٌ عن الحب ملاقط حبل الغسيل. هنا كلّ التراكيب يُمكن أن تؤدي إلى نبع الحساسية الشعرية الخاصة، مادام ترتيب المفردات يأتي كما يليق بفساتين القصيدة.

“تجيءُ الأشياءُ هذه الأيام

نصفاً نصفاً.

يبدو دوماً كما لو أنها نسيت تتمتها

في مكانٍ آخر.

وحدها الحرب تجيء كاملة

مثل إلهٍ عتيق.”

وهي تُعدد شواغلها الشعرية؛ لا تنسى سارة حبيب، أن تُبين غايتها من كاتبة القصيدة؛ هذا البوح الشعري، الذي يظهر “الأنا – الأنوات” بكل هواجسها واشتهاءاتها، وصراعاتها. لكنها الذات الشعرية التي تأخذ أبعادها من ذلك ال”أنت، وهو، وهي، ونحن..” الـ “أنا” التي تكثف كل الضمائر المتكلمة والمخاطبة وحتى الغائبة، سواء ما اتصل منها أو انفصل وغاب بعيداً، ومُخطئٌ من يظن أن ثمة شاعر يكتب لنفسه، فدائماً ثمة مرسل إليه نبعثُ له طوق نجاة، ودائماً ثمة:

“فتاة لا تتقن السباحة،

لكن تحسباً

ترتدي دوماً قصيدة

تحت فستانها.”

print

مقالات ذات صله