آخر تحديث: 2017-11-18 17:36:49

عاجل

جنون ترامب وطموح «إسرائيل» وصمود الموقف الإيراني

 إبراهيم شقير:

بقدر ما حظي توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول 5+1 من ارتياح دولي، وعدِّه حدثاً تاريخياً ونقطة تحول مهمة في علاقات الغرب مع إيران، ووضع حد لسنوات من التوتر العالمي، بالقدر نفسه نال موقف الرئيس الأمريكي ترامب من عدم التصديق على الاتفاق سخطاً وتنديداً، وعدّ موقفه استفزازياً تصعيدياً يسبب توتر مسألة الاستقرار والسلم والأمن العالمي.
موقف ترامب ليس مفاجئاً، فهو خلال حملته الرئاسية الانتخابية عبّر بوضوح عن معارضته للاتفاق الذي أبرم في عهد سلفه باراك أوباما، ووصفه بأنه «عار» وأن إدارته -في حال فوزه- ستعمل على عدم رفع العقوبات عن طهران بحجة «الانتهاكات» في برنامجها النووي، وخلال زيارته الأخيرة للرياض التزم ترامب خلال القمة التي جمعته مع بعض المسؤولين العرب الأتباع بمخطط هدفه التصدي «للنفوذ الإيراني في جميع أنحاء المنطقة» -حسب زعمه- في حين أجمعت كل التقارير لوكالة الطاقة الذرية والدراسات ولجان المراقبة على التزام إيران بروح الاتفاق وعدم خرقه، ومن جانبها أكدت إيران أكثر من مرة على المحافظة على هذا الاتفاق، مادامت مصالحها محفوظة، وعلى مواصلة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ما لاشك فيه أن الاتفاق النووي متعدد الأطراف، وهو وثيقة دولية وليس اتفاقاً ثنائياً، كما أنه لا يجوز لأحد إنكاره، وهذا ما أكدته ردود الفعل الدولية الرافضة لتصريحات ترامب من جانب واحد، وتمسك الدول الموقّعة عليه بالمحافظة على الاتفاق.
وكما هو معلوم شغل الملف النووي الإيراني اهتمامات الباحثين والسياسيين والعسكريين، حيث ترتفع وتنخفض التقديرات والتوقعات بشأن ما إذا كانت واشنطن ستوجّه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني في نهاية الأمر أم لا، في حين هلّلت «إسرائيل» وبعض دول الخليج «بشجاعة» ترامب تجاه إيران، حيث عبّر آل سعود عن تقديرهم للاستراتيجية الجديدة الترامبية تجاه إيران، في حين رأت «إسرائيل» أن هذه فرصة لإقناع الإدارة الأمريكية بمزيد من التحريض ضد إيران وتوجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، أو منحها الضوء الأخضر للقيام هي بذلك، أو أن تقوم الاثنتان معاً، وهي ترى -أي «إسرائيل»- أن اتفاق الدول الست مع إيران عقيم لا طائل منه، ولاسيما أن المواقف الإسرائيلية بمؤشراتها وأسبابها وأبعادها والاحتمالات الناتجة عنها تعدّ تحولاً في استراتيجية «إسرائيل» الإقليمية، إذ نقلت نقاط استهدافاتها من دول الجوار القريبة منها إلى الدول البعيدة عنها كإيران (نذكّر هنا بالدور الإسرائيلي المكشوف في تأييد نزعة مسعود البرزاني الانفصالية في إقليم كردستان العراق المجاور للحدود الإيرانية).
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يؤدي تلاقي المصالح الأمريكية- الإسرائيلية من خلال الجنون الترامبي والمطامع الإسرائيلية إلى إطلاق يد «إسرائيل» في ضرب ما تعدّه مثيراً للقلق والخطر على وجودها؟ وهي تهرطق بأن «وصول إيران إلى نقطة تمتلك فيها قنبلة نووية» وصواريخ بعيدة المدى يشكل تغييراً للمواقع الاستراتيجية ذات القوى النووية في المنطقة، وهو ما يعكس إصرار «إسرائيل» بأن تبقى الوحيدة في امتلاك السلاح النووي، وأنه لا يجوز لأي دولة مثل إيران وغيرها أن تمتلك التفوق العسكري في المنطقة.
الوزير الإسرائيلي ليبرمان أكد أن «إسرائيل» تؤكد مواقف ترامب، في حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو: إن «إسرائيل» تشعر بالقلق، وهي تبحث عن كيفية مهاجمة إيران على غرار الضربة الجوية التي وجهتها عام 1981 ضد العراق، ونذكّر هنا كيف ربط نتنياهو وقف الاستيطان بمساعدة أمريكية لـ«إسرائيل» في شأن مهاجمة المنشآت الإيرانية، في محاولة منه لوضع إيران في وسط الصراع العربي- الإسرائيلي بذريعة دعمها تيار المقاومة في المنطقة، ولاسيما حزب الله، والوقوف إلى جانب سورية ومساعدتها في حربها الكونية ضد الإرهاب التكفيري.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يلتقي جنون ترامب مع الجنون الإسرائيلي في مواجهة إيران؟ الجواب: ربما، ولكن ليس وشيكاً لكون واشنطن تفضل في بداية الأمر اعتماد استراتيجية القوة الناعمة وتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران (وثنيها عن برنامجها الصاروخي الذي ليس له علاقة بالاتفاق النووي)، وسبب ذلك خشية واشنطن من ردة الفعل الإيرانية الشديدة والمساس بالقوات الأمريكية، سواء في العراق أو أفغانستان، وضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحرب إذا وقعت لا يمكن التحكم بمسارها ولا بمصيرها، وقد تؤدي إلى المزيد من الفوضى والتورط العسكري الأمريكي من دون أن يفضي ذلك إلى تحقيق المطامع الأميركية والإسرائيلية.
وأخيراً يمكن القول: يعود تحول الموقف الأمريكي تجاه إيران لما أبدته الأخيرة من حسن النية والتعاون مع وكالة الطاقة الذرية والدول ذات الصلة بالموضوع، مع تأكيدها بشأن الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، ولعل التحوّل الأمريكي يعود أيضاً إلى تراجع سياسة الهيمنة القطبية الواحدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور الدور الروسي الرائد في المنطقة الذي يمتاز بالواقعية بدلاً من المعايير المزدوجة التي تسمح لهذا وتحظر على ذاك.
* كاتب من فلسطين

print

مقالات ذات صله