آخر تحديث: 2017-11-18 17:44:04

عاجل

في التحليل النفسـي «للمعارضة السورية» هي النقيض التاريخي لمفهوم الثورة والدولة والمقاومة والشرف والسيادة والكرامة

 إدريس هاني:

مازلتُ أبحث بدهشة مفرطة في سجّل الأنواع السياسية لـ«المعارضة السورية» الخارجية التي جاوزت المدى في النذالة حتى سمّاها السيد الرئيس بشار الأسد بالحثالة، وهي لعمري كذلك بكل المقاييس المنطقية والشعرية، ويتأكد يوماً بعد يوم أنّنا لسنا أمام معارضة سياسية وطنية حقيقية بل نحن أمام وجبة شاورما فاسدة.
تختبر المعارضة السياسية ليس في رموز ثورويتها -حيث الثورة غالباً ما تكون ذات دلالة تاريخية واجتماعية تتمتع بانسجام منطقي مع طموح أمة بكاملها- حينما يستهدف الوطن ويصبح تحت طائلة العدوان الخارجي، ولقد كانت «الائتلافات» هي مساحيق العهر السياسي لإخفاء كل العدوان الخارجي على سورية. أتحدّى برهان غليون وهو المثقف اللقيط الذي قدم في البداية شهادة زور لمفهوم «الثورة السورية»، فعلَ ذلك لأنّ من أقنعه بذلك هو المثقف المزيف في فرنسا: برنار هنري ليفي، أجل، أتحدّاه أن يقدم تشخيصاً علمياً على أنّ ما يحدث في سورية إن كان هو «ثورة» وليس عدواناً إمبريالياً على سورية محاوره تمتدّ من «ناتو» حتى الرجعية وأدواته إرهابية محض، ومن هنا نجدد القول في بؤس هذه «الثورة» ومغشوشيتها على هامش استهداف «إسرائيل» لبطارية صواريخ سورية، في صمت كما كان دائماً ديدن «المعارضة السورية» عن شجب هذا العدوان الذي يستهدف سيادة وطن.
يبدو أن «المعارضة» بالليل والنهار تنتظر هذه المرة أن «تدخل إلى دمشق» على دبابة إسرائيلية، وهو حلم يكمن في اللاوعي العميق لهذه «المعارضة» ويتجلّى في سلوكها ومواقفها التي ليس غريباً عنها تصريحات سابقة بالعزم على حلّ كل المشكلات العالقة مع «إسرائيل» في حال «وصلوا إلى السلطة». أقول: السلطة لأنّ ذلك هو مطلبهم الرئيس، ومن هذه النقطة أحبّ أن أمضي في تشريح مدلول «الثورة» السورية المزيّفة.
قبل سنتين وصف السيد الرئيس بشار الأسد «المعارضة» بكونها مهووسة بالسلطة، هذا في حين رأى أن بلوغ السلطة هو مسألة دستورية حتى إنه تحدّى هذه المعارضة أن تدخل للسلطة من منافذ انتخابية.
كان الرئيس يدرك أمراض هذه «المعارضة» حيث إنها تفتقد النفوذ الاجتماعي وهي تستمكن من الأجنبي لتفرض نفسها على الشعب السوري بالضغوط الخارجية والإرهاب الداخلي.
أتساءل هنا: ماذا يعني أن تكون ثورياً؟ أستحضر هنا تحليلاً قيماً قام به إيرك فروم لشخصية سيغموند فرويد، حيث في مقطع مهم من هذا التشريح أكد على تمييز مهم بين الثورة والتمرد. المائز هو في الموقف النفسي من السلطة، وبناء عليه، نرى أنّ ما يحدث اليوم في سورية هو تمرد، وللأسف حتى وسائل الإعلام المنخرطة في العدوان على سورية كانت تقع فريسة لهذا الانزياح المفاهيمي حين تصف «ثوارها بالمنشقين والمتمردين»، غافلة تماماً عن المعنى الفريد للثورة التي لا تعني التمرد.
الثوري هو من فكّ كل أحاسيسه ورغباته في السلطة والتسلط، وهو من لا تحضر لديه قضية الحكم بخلاف المتمرد الذي يعارض الحكم مادام لا يخدم أغراضه ولكنه يقبل به متى بات في مصلحته. المتمرد يسعى دائماً لأن يحلّ محلّ الحاكم وهو لا يرفض حكمه بل يتمنّى أن يكون هو بديلاً عنه.
المفهوم السيكولوجي للمتمرد -كما ذهب إريك فروم- يناقض المفهوم السيكولوجي للثائر، الثائر، وفق فروم، هو من تجاوز انجذابه نحو السلطة وتحرر من الرغبة في السيطرة على الآخرين، ويظهر ذلك حين قبوله بأوصاف سلطوية كالرئيس والناطق الرسمي وما شابه. طبّق ذلك على «المعارضة السورية» التي «حولت ائتلافاتها إلى دولة» في المنفى تتصارع على المناصب والسلطة، ويظهر عليها أنها تأنس بكل الأوصاف التي خلعتها عليها وسائل الإعلام الإمبريالية والرجعية، تراهم ينبطحون أمام الدول الراعية «لائتلافاتهم» في تبعية مطلقة بينما يفتعلون «الثورة» ضد نظام بلادهم.
التحليل النفسي لـ«المعارضة السورية» يجعلها مثالاً لحالة ذِهان حادّ قد تكون الخيانة عارضاً من عوارضه لأنّ مشكلتها هي الانجذاب المرضي نحو السلطة، وهي في هذا يمكنها أن تخرب وطناً من أجل سلطة بلا وطن. ولقد كان مفيداً في أواخر ما تحدث عنه الرئيس الأسد من اقتحام مفهوم الثورة وعدم السماح لهؤلاء الحثالة بسرقة المفاهيم الكبرى: سورية اليوم بما تقوم به من كفاح ومقاومة، حيث عليها وحدها علّق مصير المعنى العربي، هو الثورة، لأنّ الرئيس الأسد لو كان منجذباً للسلطة كما هي «المعارضة» لكان قَبِلَ بكل المساومات التي من شأنها أن تجعله «دركي» المنطقة برسم التمحور الجيوسياسي.
السلطة التي تحدث عنها الرئيس الأسد منذ بداية الأزمة هي سلطة الشعب وهي منبع الصمود، وكان وفيّاً للمعنى الحقيقي لسيادة وطن، وحتى في مضمون ما جادت به محاضر اللقاءات الأولى مع الوفود التي كانت تساوم القيادة السورية على جملة من «التنازلات» تستهدف سيادتها نراه يتجاهل كل الحسابات التي تتعلق به كرئيس دولة ليتماهى في موقف أسطوري مع مطالب الثورة العربية الحقيقية التي مازالت مشروعاً لم ينجز.
إنّ من يزعمون كونهم «ثواراً» بكل المقاييس العلمية والأخلاقية لن يبلغوا حذاء ثائر حقيقي هو الرئيس الأسد، ولا زهدوا في نواقع السلطة كما فعل الرئيس الأسد الذي هزمهم في الثورة والانتخابات، فالذي لا يفرّط في ذرّة من كرامة شعبه وشمخ بالكرامة العربية ومنحها عنوان صمود تاريخي هو الثائر الأول في سورية، بينما آن الأوان للتأكيد على أنّ «المعارضة السورية» في الخارج هي النقيض التاريخي لمفهوم الثورة والدولة والمقاومة والشرف والسيادة والكرامة، إنهم بتعبير أدقّ: مرضى التّسلّط وعليهم وجب أن تقوم الثورة الحقيقية.
* كاتب من المغرب

print

مقالات ذات صله