آخر تحديث: 2017-11-18 23:15:57

عاجل

ما يتبقى للأدوات الخارجية في الميدان السوري ..!

د. ابراهيم علوش:

عبثاً تحاول واشنطن أن تفتعل «أوراق ضغط» على سورية، بعد تهاوي الائتلاف الإقليمي والقوى والعصابات الإرهابية التكفيرية التي دعمتها بالتعاون مع الأتراك وبعض الأنظمة الخليجية طوال سني الحرب على سورية، حسب اعترافات مباشرة لرئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم في 27 تشرين الأول الفائت، فأججت وكلاءها في الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لاستصدار تقرير مسيس «يحمّل» الحكومة السورية «مسؤولية» الهجوم الكيماوي الملفق في خان شيخون، قفزاً فوق كل الوقائع المرتبطة بالحادثة، وهو تقرير واكبته تصريحات من وزير الخارجية الأمريكي «ركس تيلرسون» يرغي فيها ويزبد حول من يحق أو لا يحق له أن يكون موجوداً في مستقبل سورية! كأن «الأستاذ» تيلرسون فقد الصلة بالواقع تحت تأثير الهزائم المتلاحقة، فراح يتخيل أن الولايات المتحدة وأدواتها «هي المنتصر الذي يحق له أن يملي الشروط»، بينما العكس هو الصحيح… لكنها محاولة «كاوبويجية» رعناء لـ«ممارسة الضغوط» قبيل جولة جديدة يتم الإعداد لها لمحادثات جنيف التي تم تأجيلها إلى الثامن والعشرين من الشهر الجاري.
قبلها بيومين كانت روسيا قد استخدمت حق النقض لإسقاط مشروع قرار في مجلس الأمن يمدد عمل لجنة التحقيق بالكيماوي في سورية سنةً أخرى، وكانت تلك صفعةً أخرى، أفقدت الولايات المتحدة وحلفاءها أداة ابتزاز أخرى في الميدان السوري كان قد تم استخدامها مطولاً ضد العراق.
واستعداداً لجولة جديدة من محادثات جنيف أيضاً، ينعقد ما يسمى «المؤتمر الموسع للمعارضة السورية» في الرياض في العاشر من تشرين الثاني، ولكن هذه المرة في ظل سقف أدنى كثيراً، يفترض أن يضم منصتي القاهرة وموسكو إلى منصة الرياض، ليخرج بوفد مشترك إلى جنيف، بينما المضيف السعودي بات يقرّ بأن «تغيير النظام» في سورية لم يعد مطلباً مسبقاً، ما وضعه في حالة تضاد مع عدد من الشخصيات والجهات التي لم تعد تعرف كيف تنزل عن الشجرة العالية التي صعدت إليها، فباتت تحت وطأة التهميش (وقطع الدعم) أو الانخراط في عملية جنيف في ظل ميزان ميداني وإقليمي وسياسي يزداد سوءاً كل يوم بالنسبة لها، ويزداد تحسناً بالنسبة للدولة السورية وحلفائها.
واشنطن تحاول تعديل الكفة بالمراهنة على بعض القوى الكردية، التي أبلغت «ستافان ديميستورا» بضرورة مشاركتها في مفاوضات جنيف، حسب مصادر إعلامية سعودية، ما يتوقع أن يثير حفيظة تركيا، وما يزيد «التحالف» المناوئ لسورية تفككاً، ليضعف تأثير واشنطن في الشام. فهنا أيضاً تلعب واشنطن بمنطق وضع كل بيضها في سلة بعض القوى الكردية، سياسياً وميدانياً. ولكن حتى هؤلاء لا تتركهم روسيا لواشنطن، ومن هنا يأتي عقد مؤتمر لهم في حميميم في الثامن عشر من تشرين الثاني الجاري، برغم تحفظنا الشديد على العنوان الذي سينعقد المؤتمر في ظله، وهو «مؤتمر شعوب سورية»، ما يدخلنا في مطبات سبق أن رأينا بعض آثارها في العراق بعد شطب عروبة العراق من دستوره الموضوع في ظل الاحتلال، وفي النهاية، الجمهورية العربية السورية لن تكون إلا جمهورية عربية سورية، قلب العروبة النابض، ومن التجؤوا إلى سورية حديثاً من تركيا هرباً من الاضطهاد، أهلاً وسهلاً بهم، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لكنْ لا يحق لهم أن يفرضوا هوية مستحدثة للأرض والشعب والدولة.
في جميع الأحوال، موقف الروس من الأكراد هو المحافظة على علاقة معهم، وحمايتهم من الأتراك، كما سبق أن حدث مرة من قبل في منبج، من دون الإقرار بأي مشروع انفصالي كردي، ولاسيما أن الروس في طور التقرب من تركيا ومحاولة إبعادها أكثر فأكثر عن حلف الناتو، وفي المقابل، فإن الأكراد لهم مصلحة في الحفاظ على علاقة جيدة مع روسيا خوفاً من تخلي الولايات المتحدة عنهم، كما حدث مراراً من قبل، وكما رأوها تتخلى عن البرزاني حديثاً في شمال العراق.
وفي العراق، يسير تحرير قضاءي القائم وراوة على قدمٍ وساق، بالتوازي مع زحف الجيش العربي السوري والحلفاء باتجاه البوكمال من الغرب التي يتشدق الأستاذ صالح مسلم لوكالة الأنباء الألمانية بأن «القوات السورية لا تملك الإمكانات لتحريرها، ولذلك لا بد من أن تتقدم قواتنا لتحريرها»! والحقيقة التي لم يعد من الممكن تجاهلها هي أن «داعش» يقدم الحقول النفطية والقرى والمدن من دون قتال تقريباً لبعض القوى الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، بينما يركز جهوده ضد الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة، ما يعني موضوعياً إتاحة الفرصة له للتقدم لتحقيق الحلم الأمريكي والصهيوني بزرع إسفين ما بين سورية والعراق، ويبدو أن هذه القوى لا تتعلم أبداً، فهي تتحدث عن «مشروعها السياسي» بإقامة سورية «فيدرالية متعددة القوميات» معتقدةً أن تمددها في شرق سورية وشمالها يمكن أن يدوم للأبد، من دون أن تأخذ في الحسبان أن مثل هذا التمدد لا يتم في فراغ، وأن أصحاب الأرض الذين دافعوا عنها في وجه التكفير الدموي والاحتلالات الأجنبية لن يتركوها لقمة سائغة لمن لا يملك الحق ولا القدرة على أخذها، ناهيك بالقوى الإقليمية التي يستفزها التمدد الكردي في سورية أيما استفزاز، وعلى رأسها تركيا.
تركيا طبعاً هي الطرف الآخر الذي لا يزال يمتلك شيئاً من التأثير في منطقة إدلب وجوارها، ويمتلك بدوره مشروعاً للتمدد خاصاً به، ويحاول تمريره بالسياسة إذ جاءت الوقائع الميدانية السورية والإقليمية والدولية لتعوقه عن التمدد، والطريف أن مشروع التمدد التركي، كمشروع التمدد الكردي، مشروعان متصادمان وغير عربيين، يعوق أحدهما الآخر، ولا يستطيعان تحقيق أي تقدم في سورية إلا من خلال عباءة الإسلام السياسي، أو من خلال عباءة الطرح المعولم الليبرالي (الفيدرالية المعومة قومياً)، الساعي في الحالتين لتهميش القومية العربية. فقدرتهما على إنتاج أدوات سورية محلية تظل مقيدة، مقارنةً بقدرة البترودولار الخليجي التي تحطمت على صخرة الصمود العربي السوري وبات يدرك كثيرون ممن انقادوا لها بالبداية حقيقتها وحقيقة مشروعها التدميري التكفيري.
وبعد مرور سبع سنوات تقريباً على الحرب على سورية، تكفي مقارنة سريعة بين جهتي الصراع لنلاحظ ما يلي:
1) أن ما يسمى «المعارضة السورية» مشتتة بين عشرات المنظمات والمرجعيات والعواصم، في مقابل دولة عربية سورية واحدة.
2) أن ما يسمى «المعارضة السورية» تتحكم بها مرجعيات خارجية عديدة، كثيراً ما تتصارع دموياً عبرها، في مقابل دولة سورية واحدة تقيم علاقات ندية مع حلفائها، لأنها تملك ثقلاً أكبر بكثير ليس من كل طرف مناهض لها على الأرض السورية فحسب، بل من أضعاف ما تملكه كل تلك الأطراف مجتمعة.
3) أن المواطن السوري يلجأ عامةً من المناطق التي تسيطر عليها أذرع تلك «المعارضات» إلى كنف مناطق الدولة، وأن الساحل السوري وحده يحتضن ملايين النازحين من حلب وإدلب وغيرها من المحافظات السورية، ولولا ظروف الحرب والأزمة الاقتصادية الناتجة عنها، لرأينا تلك الملايين أكثر بكثير.
4) أن ما يسمى «المعارضة السورية» تضم في صفوفها جماعات وتنظيمات سجلت باسمها بعض أبشع جرائم الحرب في التاريخ المعاصر، وتتبنى الجنون الجنائي نهجاً سياسياً، بينما لا تزال الدولة السورية تدافع عن سورية والسوريين (والمنطقة)، فهي تترك مناطق بأيدي المسلحين عندما تشعر بأن تكلفة استرجاعها ستكون كبيرة على المدنيين، وهي تدفع رواتب المعلمين والموظفين الموجودين في المناطق الخارجة عن سيطرتها، فهي تتصرف كدولة لكل السوريين، بينما يتصرف الآخرون كعصابات إجرامية.
5) أن ما يسمى «المعارضة السورية» لم تتمكن من إنتاج شخصية قيادية مقنِعة واحدة يوجد عليها أي نوع من الإجماع فيما بينها، ناهيك بمقبوليتها من السوريين، وليس هنالك حيز لإجراء أي مقارنة من أي نوع هنا مع مايمثله السيد الرئيس بشار الأسد.
* كاتب من الأردن

print

مقالات ذات صله