آخر تحديث: 2017-11-18 23:15:57

عاجل

الكيان الصهيوني سيفكر ألف مرة قبل أن يجرؤ على شنّ حرب جديدة على لبنان

د. إبراهيم علوش:

حتى لو جاءت استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية نتاج صراعات أجنحة وأقطاب داخل العائلة السعودية، أو نتاج «تحريك ملف الفساد» في صفوف الأمراء والمسؤولين السعوديين في سياق مثل تلك الصراعات، فإن ما لا شك فيه أنها استقالة تم توظيفها فوراً في السياق الأوسع لبنانياً وإقليمياً، للتهجم على محور المقاومة إعلامياً ولخلط الأوراق سياسياً وزرع الشكوك والقلق حول مستقبل الأمن والاستقرار في لبنان من خلال فتح الباب على مصراعيه أمام تجدد احتمالات العدوان الصهيوني على لبنان.
ومقابل خطاب الاستقالة التصعيدي لسعد الحريري، الذي جاء مفاجئاً في توقيته ومنصته ولغته غير المعهودة، كانت الرسالة الثابتة في كلمة سماحة السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله تعليقاً على استقالة الحريري هي الهدوء وتهدئة الخواطر، في اللهجة والأسلوب والمعنى، لتفويت الفرصة على من أرادوا أن يُدخلوا لبنان في أتون الفتنة ويزعزعوا أمنه واقتصاده، كأنه يقول لهم: إن كنتم معنيين بتدمير لبنان كما سعيتم لتدمير عدة بلدان عربية من قبل، فإننا لن نتجاوب مع استفزازكم، ولن ننجر إلى ملعبكم، ونحن أقوى من أن تفتّ ألاعيبُكم في عضدنا، وأنتم أوهن من أن تؤثروا فينا مهما فعلتم، والهدوء تاج الأقوياء الواثقين.
لكن النبرة الهادئة القوية الواثقة في خطاب السيد حسن، التي خلت من أي شحنة تعبوية، والتي سعت قبل كل شيء لتبديد المخاوف والرد على الإشاعات المغرضة وعبور المرحلة، لا تعني أن استقالة الحريري لا تمثل محاولة لزعزعة النظام السياسي الهش في لبنان، والتوازنات الأكثر هشاشة التي يقوم عليها «التوافق الوطني»، في مرحلة يتعرض فيها حزب الله لحملة غير مسبوقة أمريكية وصهيونية وسعودية تأخذ أشكالاً مختلفة من العقوبات في «الكونغرس» إلى التهديدات الصهيونية المتلاحقة إلى التحريض المنهجي الذي ما برح يطلقه الوزير السعودي ثامر السبهان ضد الحزب، إلى الضخ الطائفي اليومي الساعي لإخراج المقاومة اللبنانية من نطاق الانتماء العروبي، فيما المقاومة هي العروبة. وإذا كان السيد سعد الحريري يود أن يتحول إلى «ناطقٍ رسميٍ» باسم العروبة، فليتعلم أولاً كيف يلفظ مخارج الحروف، وكيف يلقي كلمة الاستقالة التي أعطيت له من دون تكسير قواعد الصرف والنحو حوالي عشرين مرة في أقل من ثماني دقائق!
لفتُ النظر للتناقضات المستعصية في النظام السعودي وصراعات المحاور فيه وعواقب السياسات الرعناء على استقرار السعودية نفسها، ولفتُ النظر لانعكاسات تلك التناقضات على النظام السياسي في لبنان في مرحلة حرجة يتقلب فيها كل الإقليم على صفيح ساخن، ولاحتمالية كون رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري قد وقع رهينةً لمثل تلك التناقضات، هو أمرٌ يعكس بعد نظر السيد حسن إذ يضعه بين يدي اللبنانيين والعقلاء من أبناء أمتنا، لكن لا يفوتنا أن نتنياهو ووسائل الإعلام الصهيونية سارعت لتوظيف استقالة الحريري في سياق رفع وتيرة التلويح بشن حرب كبرى ضد لبنان، وأن ثمة خلفية إقليمية لهذا التلويح تمثلت خلال الأسبوع الفائت بمهاجمة التنظيمات التكفيرية لبلدة حضر في الجولان السوري، بدعمٍ صهيوني واضح، في مسعى فشل فشلاً ذريعاً لإقامة ما يسمى «حزام عازل» في الجولان، وتمثلت بغارات صهيونية على مواقع في ريف حمص وريف دمشق تصدت لها وسائط الدفاع الجوي السورية ببسالة، وتمثلت بخسارة الكيان الصهيوني الاستراتيجية للمعركة في الميدان السوري مع استعادة الدولة السورية لسيادتها على مساحات مترامية الأطراف من الجغرافيا الوطنية، وتمثلت بخسارته الاستراتيجية بانهيار مشروع الانفصال الكردي في شمال العراق.
الحملة الإعلامية تشن على إيران، ولكن الحملة السياسية والميدانية تتركز في الإقليم على حزب الله، على دوره الإقليمي، وعلى دوره في منع «أمركة» لبنان و«صهينته»، وعلى دعمه للجيش العربي السوري، وعلى رمزيته المقاوِمة عند الشعب العربي، ومقدمة تلك الحملة هي ما يتوهم البعض أنه سيكون «سحباً للمشروعية اللبنانية» عن الحزب من خلال محاولة تفكيك معادلة «الشعب والجيش والمقاومة» بالفتنة الطائفية، وإظهار الأمر وكأن الممثلين السياسيين لـ«مكون» لبناني أساسي (مع التحفظ الشديد على تبني مصطلح «مكون» التفكيكي في لبنان أو في غيره من البلدان العربية) «يعادي» الحزب والمقاومة، وذلك هو المعنى الموضوعي لاستقالة سعد الحريري في مثل هذه اللحظة السياسية، حتى لو جاءت نتيجة ابتزاز سعد الحريري سياسياً بديونه المتراكمة على شركة «أوجيه» أو أي شبهة فساد.
استقالة الحريري عبارة عن محاولة يائسة «لمحاصرة» المقاومة سياسياً في ميدانها اللبناني، بطريقةٍ تثبت «فجاجتها» المفتعلة «أنها لم تنضج طبيعياً في سياق لبناني»، فهذه المحاولة تعبر من جهة عن توجهات موتورة وثأرية وغير متوازنة ميزت سياسات النظام السعودي، ولاسيما بعد إخفاقاته المتلاحقة في سورية واليمن والعراق، وتعبر من جهةٍ أخرى عن تعمق العلاقة السعودية-الصهيونية وحاجة الكيان الصهيوني لإيجاد رافعة «عربية» للعداء لحزب الله بعد الهزيمة المزدوجة السعودية-الصهيونية في الميدان السوري تحديداً.
لا شك في أن الكيان الصهيوني سوف يفكر ألف مرة قبل أن يجرؤ على شن حربٍ جديدة على لبنان، كما أوضح السيد حسن في خطابه الأحد الفائت، وأن السبب الرئيس في تردد الكيان بشن مثل تلك الحرب يعود للدروس الدموية التي تلقنها على يد المقاومة اللبنانية ضد العدو الصهيوني، لكن الكيان الصهيوني الذي لن يخوض حرباً في لبنان بحسابات سعودية لن يتورع عن مهاجمة حزب الله بطرق أخرى، عبر الولايات المتحدة في سورية، أو عبر أدواتها في لبنان، واستقالة سعد الحريري أبعد ما تكون عن أن تقلب الميدان اللبناني على رأس حزب الله، ولكنها إن تسببت بوجع رأس، هو في كل الأحوال لا يصل إلى عُشر وجع الرأس الذي يتسبب به حزب الله للكيان الصهيوني، فإنها تكون رصاصة إن لم تصب، «بتدوش»، ولذلك فإن علاجها الهدوء، كما نصحنا السيد حسن، حتى تنجلي الأمور.
ولكن ذلك لا يعني التغاضي عن المخاطر بطبيعة الحال، وفي الوقت الذي لا يجوز أن ننجر فيه لقرع طبول التهويل بأن استقالة الحريري تؤذن بعدوان صهيوني جديد، أو «عاصفة حزم» سعودية على لبنان، ما يهدف للابتزاز السياسي أساساً، ابتزاز المقاومة بلبنان، فإن خطوة الحريري لا شك في أنها تُخِل بتوازن الوضع الداخلي اللبناني، وتفتح الأبواب على الكثير من الاحتمالات، وتُدخِل المشهد الإقليمي في منطقة «حافة الهاوية»، وأن ذلك يعبر عن يأس وفشل ومحاولة لخلط الأوراق ولاسترداد شيءٍ من ماء الوجه سعودياً وصهيونياً وأمريكياً، ممن عودنا على خطوات رعناء مدمرة للذات، فهي ليست النهاية السوداء، وليست حمامةً بيضاء، إنما محاولة لتعكير صفو النصر المتجلي في الأفق السوري، بإدخال لبنان والمنطقة في مربعٍ رماديٍ مفتوحٍ على خطر الحرب الشاملة التي قد تكون أفضل خياراتهم ما داموا يعرفون أنهم مهزومون في الحالتين.
* كاتب من الأردن

print

مقالات ذات صله