آخر تحديث: 2017-11-18 23:15:57

عاجل

كوريا الديمقراطية .. معركة واحدة ودعم تستحقه

السيد شبل:

بيونغ يانغ ليست منفصلة عن دمشق أو بغداد أو القاهرة، تاريخياً ولا في اللحظة الحالية، ونحن عندما نقدّم إسناداً إعلامياً ومعنوياً يعبر اليابسة والبحر لهذه العاصمة فنحن نقدمه بالأساس لأنفسنا ولمصالحنا في مواجهة آلة النهب والاستدمار الأمريكية، هذا فوق واجب التضامن الأممي الذي يفرض علينا ذلك.
عندما يصمد طرف فقير ومُحاصر في وجه البيت الأبيض فإنه لا يصمد باسمه فقط، وإنما يصمد باسم العالم الثالث، وباسم الفقراء (فقراء لكنهم طموحون)، وفي الحالة الكوريّة فهذا الطرف يقدّم درساً لكيفية الصمود الحضاري والسليم، المبني على عاطفة جمعيّة تدفع نحو الاستقلال والسيادة، لكنه في الآن ذاته مبني على أسس ماديّة سليمة، يعرف كيف يبني ترسانة أسلحته، وكيف يبني مشروعاً وطنياً واجتماعياً واشتراكياً ويجذّر قيم المواطنة والحداثة إلى أبعد حد ممكن (ولأنه يباري الغرب في مفاهيم كتلك، ويفوق، ويسعى لتعظيم الإحساس بالحياة عبر الأدب والموسيقا والرقص والمنحوتات.. -بما يعني أنه لم «يتسلّف» أو «يتدعشن» أو يترهبن أو ينزوي- فهو يزعج الغرب جداً ويُغضبه).
للكوريين الديمقراطيين تاريخ إيجابي معنا كعرب، فبلادهم، حتى الآن، لا تعترف بالكيان الصهيوني، وتدينه باعتباره تابعاً إمبريالياً، وتعترف بسيادة دولة فلسطين على كل الأراضي المحتلة من النهر إلى البحر، ومنطقي بالتبعيّة أنها من أشد الحكومات في العالم إدانة للاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري. وفي تموز 2016، حددها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو باعتبارها إحدى خمس دول معادية لـ«إسرائيل»، وأشار إليها على الخريطة، مع إيران وسورية والعراق..، باللون الأسود، كدلالة على جذرية الخصومة والعدائيّة، وعندما فتحت كوريا الديمقراطية بابها للسائحين الغربيين في العام 1986 استبعدت الإسرائيليين إلى جانب مواطني بلدان مثل: اليابان، الولايات المتحدة.
وفي حرب تشرين التحريرية عام 1973، يذكر سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري في هذا الوقت، أن كوريا الديمقراطية مدّت مصر بطيارين مقاتلين، ويسرد أن المسألة بدأت خلال زيارة لنائب الرئيس الكوري إلى مصر، ذهب فيها إلى جبهة القتال ومع تبادل الرأي عن الاستعداد للمعركة، تحدث قادة الجيش المصري عن متاعب بخصوص إعداد الطيارين، وأنه تتوافّر طائرات «ميج 21» أكثر مما يُستطاع تشغيله، وعندها أبدى المسؤول الكوري استعداد بلاده لتوفير الطيارين المدرّبين، وعليه سافر الشاذلي إلى العاصمة الكورية الديمقراطية للاتفاق على التنفيذ، وفي أوائل حزيران 1973 بدأ الطيارون الكوريون في الوصول، واكتمل تشكيل السرب خلال شهر تموز من العام ذاته؛ ويوضح الشاذلي، أن التجريدة الكورية إلى مصر كانت تتكون من 30 طياراً، و8 موجهين جويين، و5 مترجمين، و3 عناصر للقيادة والسيطرة وطبيب وطباخ، وكانت القاعدة التي خدموا فيها تضم 3 آلاف مصري يديرون شبكات الرادار والدفاع الجوي والدفاع الأرضي عن القاعدة وجميع الشؤون الإدارية الخاصة بالسرب، وقد مارست تلك التجريدة الصغيرة عملها بكفاءة وبتعاون مع المقاتلين المصريين، وتميّزت بالجدية والاعتماد على النفس في كل شيء. واليوم توجد لوحة رخاميّة في مدخل «بانوراما حرب أكتوبر» التي تم تشييدها في النصف الأول من الثمانينيات، في شارع صلاح سالم في مدينة نصر في القاهرة، تشير إلى جهد قدّمته كوريا الديمقراطية في تأسيس «البانوراما» التي تحكي قصة الحرب، بما يعني أن دور الكوريين امتد من أرض المعركة للمشاركة في إبقاء ذكراها حيّة، ليزيد من عذابات العدو، ويثبّت جذرية الخصومة الشعبية العربية مع الصهيونية ورعاتها.
ولا يُنسى ما أثير عن دماء كورية سالت، كشركاء، على الأرض السورية في دير الزور في 2007 عندما نفّذ الطيران الصهيوني قصفه العدواني لمواقع في دير الزور، فيما سُمي «عملية البستان».
لم يبخل الكوريون بتقنياتهم العسكرية أبداً، وقدّموها، وإلى اليوم، لأي طرف رفع راية المقاومة مثلهم (والعرب، بحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، حاضرون بقوة على رأس تلك الأطراف..، وبحث محدود على الشبكة العنكبوتية، يوفّر كثيراً من السرد).
جميل أن تعقد، كعربي، مقارنة بين رصيد كوريا الديمقراطية بمثيله في كوريا الجنوبية التي شاركت تحت الراية الأمريكية في احتلال العراق.. وأفغانستان.. وقصف الصومال..، حتى تفهم في أي صف يجب أن تقف، وأنك في النهاية تسند قضيتك وتحمي حلفاءك!.
عندما تحدد موقفاً في قضية دولية بهذا الحجم (بحجم شعب يضم حوالي 26 مليون نسمة مُهدد في الصباح والمساء بالقصف النووي الأمريكي، ومُحاصر، ويتحاشى حتى «الأصدقاء» مد يد العون الصريحة إليه، ودونالد ترامب يتوعّد «بمحوه»، ويوجّه سفنه الحربية إلى شواطئه، ويحيطه من كوريا الجنوبية واليابان بالقواعد.. ولولا النووي الذي أنتجه الكوريون لنفّذ ترامب وعيده!).. عندما تريد إعلان اصطفافك فأنت في الحقيقة تعبّر عن موقف إنساني خالص من الشوائب.. ومُلتزم بالمعنى الصحيح لكلمة إنسانية -قبل أن تلوّثها منظمات التمويل الأجنبي- ولست بحاجة حينها للغوص الدائم في تفاصيل النظام السياسي، وتقديم شهادات اعتماد ووصلات لشرح الموقف من تفاصيل النظام الكوري أو تحديد مواطن النقد له (عامة النقد يتركّز، باختصار، على مكانة القائد المبجّلة بدرجة واسعة في فكر «زوتشيه» الذي تُدار في ضوئه البلاد.. ومسألة الاحترام المبالغ والحساسية الزائدة تجاه الزعيم مسألة تكون مرفوضة -عن حق- في ضوء رفض الأبّهة السلطويّة عموماً، والخشية من النفَس «التوثيني»)، لكنها -وهذا ليس تبريراً أبداً بقدر ما هو التزام بالموضوعية- تؤدي دورها، عملياً، وتحديداً في حالات الخطر، في ربط الشعب برمز، وتستحثه من خلال تلك الحالة على التضحية والحماسة، وخاصة لو كان هذا القائد ملتزماً بطهارة اليد وبمشاركة الشعب أحواله -في كوريا الديمقراطية يلتزم أبناء النخب الحاكمة بالعمل في المزارع الجماعية كما كل أبناء الشعب، ولا يحصلون على ميزات أو استثناءات، هذا بشهادة «جواسيس أمريكيين»-، كما يجب ألا ننحي حقيقة أن الضغط والتهديد الدائمين والمؤامرات المستمرة من القوى الناهبة الكبرى تصنع جواً من التوتر والقلق والضغط الداخلي.. )، على كل يبقى الثابت هو عدم الالتزام بمثل تلك الإيضاحات التي هي في الحقيقة رد فعل متوتر على ضغط إعلامي غربي متواصل ومدروس يستهلك المعلّق في مسارب وحوار ضيّقة.. (لا أحد يسألك، مثلاً، عن رأيك في جثث الأفارقة على شواطئ ليبيا، أو عنف الشرطة في بيرو ضد احتجاجات العمّال -فقط، كوريا الديمقراطية، وفنزويلا، وحزب الله- ؟!.. أو كأنه، وعلى سبيل التبسيط، مطلوب منك تقديم تحليل نفسي وتاريخي لجارك في السكن صاحب العلاقات المميّزة -إجمالاً- معك قبل أن تُسعفه من عصابة تحاول نهب أمواله وذبح أهله!).
في الأساس الدعم المُقدّم هنا، هو دعم مستحق لقضية الأضعف الذي تمكّن من امتلاك سلاح الأقوياء ويحاول فرض استقلاله، ويسعى، برغم موارده المحدودة، لاقتسام الثروة وعوائدها وتقسيمها بعدالة على الشعب، حتى لا يبيت مواطن جائعاً، أو يُحرم طفل من التعليم والدواء، وحتى لا يعاني الخريجون من البطالة أو الاستعباد الحديث ضمن شروط عمل مجحفة، وحتى لا تضطر فتاة للتعري وبيع جسدها لتطعم نفسها أو تجاري هذا الهوس بالامتلاك، كما يحدث في تايلاند وكوريا الجنوبية!.
اللافت في هذا البلد ليس في أنه يقاوم، فقط، بل إنه وفّر شروط المقاومة، وامتلك بلداً منظّماً ونظيفاً وحضارياً (وابن عصره)، يحترم تراثه القومي جداً (يضرب مثلاً باهراً في هذا السياق بمتاحفه وفنونه ورقصاته/ كذلك هو، مثلاً، لم يبتلع ثقافة الأوروأمريكي، أو يفتح أبواب البلاد -منذ التأسيس- لـ«المبشّرين» كما جيرانه الجنوبيون!) لكنه، في الوقت ذاته، ليس محبوساً في الماضي أو الخرافة، ولا يسمح بمجال يتنفّس فيه الكهنوت أو تنتعش فيه الطائفيّة (هو ثائر ثورة كاملة.. وملتزم بالعقلانية لأبعد مدى وبعمق)، وفيه فتيات جميلات وقورات، بملابس عصرية، يذهبن إلى الجامعات ويعملن في المصانع والحقول، كما نجحت الدولة على نطاق مقبول في سد الفجوة بين «الريف» و«المدينة» (وعبرت الجسر)، وتلك الفجوة هي التي تعطّل كثيراً من مشاريع التنمية في وطننا العربي (مصر.. مثلاً)، وتفرض «العشوائيات» فرضاً، والأسر هناك تخرج إلى الميادين في مناسبات دوريّة لتؤدي رقصات جماعيّة «فلكلورية»، وغير ذلك، والتماثيل الضخمة (مثال: نصب النهضة الإفريقية في السنغال) التي يتم إنشاؤها لافتة عن حق، كذلك لهذا البلد الصغير إنجازه في أفلام الكرتون، وفي مهرجانه السينمائي الدولي…، ما يعني أننا أمام بلد، برغم كل المعوقات والمثالب أيضاً -لا شك هي موجودة-، قدّم مشروعاً للإدارة والتنمية والاقتصاد و(الحياة).. وليس مشروعاً للمقاومة بالسلاح فحسب (المقاومة، عنده، ضمن سياق متكامل.. يجني ثمارها الناس في الحياة)، وهذا ما يميّزها، ويجعلها صفحة آتية من زمن المد الثوري (زمن الخمسينيات والستينيات..)، لكنها تأبى أن تُطوى.. وتبقى مفتوحة، في 2017، وضمن شروط المقاومة في هذا الزمن.
* كاتب من مصر

print

مقالات ذات صله