آخر تحديث: 2017-11-18 23:15:57

عاجل

معركة تحرير القائم وراوة .. مواجهة الحسم في الجغرافيا الرخوة

 د. رحيم هادي الشمخي:

بانطلاق عمليات تحرير قضاءي القائم وراوة العراقيين يكون العراق قد أنجز الخطوات الأهم باتجاه تحسين موقع الدولة العراقية وإغلاق المناطق الرخوة جغرافياً وسكانياً أمام موجات التطرف الديني، حيث ظلت هذه المناطق تمثل جرحاً نازفاً في جسد الدولة العراقية، عندما تمكنت عصابات الإرهاب من اختراق نسيجها الاجتماعي واللعب على تناقضات الهويات الفرعية، ومستحضرة نماذج تاريخية من صراعات الطوائف والمذاهب في الحواضر الإسلامية، فكان أن تجد «القاعدة» وبعدها وريثها «داعش» الإرهابي في تأليب السكان بعضهم على بعض وزرع العداوات وإثارة التناحرات بين العشائر، عبر خطوات منظمة من عمليات تدمير الثقة المتبادلة وقطع أواصر التواصل الاجتماعي، وبناء جدران من العزلة والثقة المفقودة بين مكونات الشعب العراقي في القائم وراوة.
ونجحت هذه الاستراتيجية في تحويل المنطقة إلى مركز عمليات لتدمير المجتمعات المحلية في العراق وما جاورها والانطلاق من هذه المناطق إلى الجغرافيا الأبعد لتدمير إمكانات التعايش وتحطيم السلم الأهلي، ومن القائم وراوة اختار «داعش» بعضاً من عتاة زعاماته ليقودوا المعارك الأشد في تاريخ التنظيم الإرهابي ضد الدولة العراقية.
لقد اختير القائم وراوة استراتيجياً ليكونا أنموذج التدمير الذي يسعى إليه «داعش» وليقيم على أنقاض هذا التدمير ما يسمى «دولته الدينية»، أمله في أن يستفيد من تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية ليبني سياجاً حديدياً حول القائم وراوة الحدوديتين، أو يؤخرها على الأقل، وكان واضحاً أن عمليات التحرير التي حررت الموصل أفشلت رهانات متعددة وسيناريوهات كثيرة لما كان يراد للعراق، ولذلك بقيت القائم وراوة ربما الثغر العراقي الأخير الواهن جغرافياً وسياسياً فكانتا منصة للتجاذبات والتدخلات الخارجية مرة اعتراضاً على أصناف القوات المحررة لهما، ومرة تحت ذريعة «المحافظة» على النسيج السكاني التاريخي، ولتركيا في طبيعة الحال يد طولى في المنطقة، حاولت باستماتة أن تكون لها كلمة في الشأن العراقي بأسره انطلاقاً من مشكلة القائم وراوة ، وكان لأردوغان ملاحظاته الخشنة غير المألوفة التي تجسد طبيعة الرؤية التركية التوسعية في العراق وسورية على ضوء ما يحدث في البلدين.
عندما يستعيد العراق القائم وراوة بمشاركة قوات عراقية متعددة بما فيها الحشد الشعبي تكون الرهانات قد سقطت نتيجة إزاحة الاستعداء المجتمعي الذي فرضه «داعش» وأخواته ضد فئات عراقية أو بإثارة حساسيات محلية تثير غباراً من المشكلات يحجب صورة التحرير الناصعة بعودة القائم وراوة إلى أهلها بعد سنوات المحنة الطويلة ، تستعيد الطريق لتعافي العراق ليستكمل بعدها خطوات إعادة بناء الدولة رغم الصعوبات الكبيرة لكن الشوط الأكبر تم إنجازه، واليوم وفي خضم الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش العراقي في القائم وراوة يمسك الجيشان العربيان السوري والعراقي حدود بلديهما وهما أكثر عزيمة لتدمير آلة «داعش» وغيره من العصابات المتجحفلة معاً لتشديد الخناق على من بقي منها على قيد الحياة، ولتطهير أرض الرافدين والشام من هؤلاء التكفيريين الذين دمّروا الزرع والضرع والحجر.

  • كاتب من العراق
print

مقالات ذات صله