آخر تحديث: 2017-12-18 02:53:14

عاجل

رسالة سعد الحريري الحقيقية

د. إبراهيم علوش:

فشلت مناورة الاستقالة المفروضة على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في تحقيق أغراضها الملتوية المتمثلة بمحاولة «عزل» حزب الله لبنانياً واستدراجه لمعركة داخلية في الساحة اللبنانية، وخلق مناخ سياسي تفجيري ترافق مع تحريض الكيان الصهيوني على شنّ حرب.. على العكس من ذلك، انقلب السحر على الساحر فتوحدت معظم قيادات الفرقاء اللبنانيين لدرء الفتنة وتجنيب البلد مخاطر زعزعة أمنه واستقراره، فسقط القناع وانكشفت اللعبة وبات المضي فيها محض مناطحةٍ للحائط، واضطرت، حتى الدول الغربية المعادية بشدة لمحور المقاومة عموماً، ولحزب الله خصوصاً، أن تحفظ شيئاً من مصداقيتها باتخاذ موقفٍ من احتجاز دولة لرئيس حكومة دولة أخرى عنوةً، ومن اتخاذ لبنان ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية خارج الإيقاع، في وقتٍ كان الرئيسان بوتين وترامب يعلنان فيه من فييتنام عن الاتفاق على المضي في «حل سياسي للأزمة في سورية»، ما يعني أن تفجير الساحة اللبنانية، خاصرة سورية، يذرو السموم الصفراء في وجه مثل ذلك الحل تحديداً، ويخلق بيئةً ملائمةً لتغلغل «الدواعش» وغيرهم من التكفيريين في لبنان، لتتحول التوجهات الحالية للنظام السعودي إلى ما يشبه الدب الأعمى الذي يصطدم بكل شيءٍ في طريقه.
فجاجة احتجاز الحريري في الرياض بعد وقوعه في كمين تلبية الدعوة للزيارة، والطريقة التي أجبر فيها على إلقاء بيان استقالة لم يكتبه، وما رشح عن الطريقة التي عومل بها، ومحاولة فرض بديل له على «تيار المستقبل» الذي يرأسه، استفزت كثيرين من حلفاء النظام السعودي وأنصار «تيار المستقبل» في لبنان، وأي شخص متوازن فعلياً، فتحول المشهد برمته إلى ما يشبه مسرحية رديئة تحرج مخرجيها وتعزز مصداقية الطرف الذي استهدفته وهو حزب الله من جهة، ولبنان ككل من جهةٍ أخرى، لذلك كان لا بد من سلّمٍ ينزل به النظام السعودي عن شجرة الإحراج التي أصعدته إليها رعونة سياساته، فسمح على ما يبدو للحريري بإجراء مقابلة تلفزيونية من منزله في الرياض، مساء يوم الأحد الفائت، اتّسم أداؤه فيها بالتثاقل ونوعٍ من السلبية كان يفترض أن يظهرا على الأرجح على شكل «هدوء» و«تهدئة»، مقابل اللهجة التصعيدية الحادة التي اتسم بها خطاب استقالته.
وبغض النظر عن الهيئة التي بدا فيها الحريري، ولاسيما الحاجة المستمرة لشرب الماء، حتى إنه أخذ كأس ماء الصحفية التي تقابله، ما يوحي بـ«نشفان الريق» الذي يرتبط بالخوف والقلق والتوتر تحت المظهر الخارجي المُهدَّأ، إذا لم يكن حلقه ملتهباً لا سمح الله، يبقى الأهم أن الرسالة الأساسية في مقابلة الحريري كانت سياسية: المطلوب، «النأي بالنفس»، يعني أن يكف حزب الله عن لعب أي دور إقليمي! والصيغة كانت سياسية: مستعدون للتفاوض!
مسبقاً، لم يجعل الحريري من سلاح حزب الله عقدةً للحل، فالمطلوب هو بالضبط ما يريده الكيان الصهيوني وإدارة ترامب في هذه اللحظة السياسية وهو «تحجيم» الدور الإقليمي لحزب الله، ليتم تسويق ذلك باعتباره «مسعىً حميداً لعدم تخريب علاقة لبنان مع الدول العربية»، وعلى الهامش، ذكّر الحريري بأن لبنان سيتعرض لعقوبات عربية، اقرأ سعودية، من جراء دور حزب الله الإقليمي، وأن مئات ألوف اللبنانيين يعملون في دول الخليج، وهو ما يمثل تهديداً يكاد ألا يكون مبطناً.
يأتي التركيز إذاً على هدف يعده ترامب ونتنياهو «ممكن التحقيق» في هذه اللحظة، بدلاً من الخطاب الانفعالي الأهوج المفتقد لهدف واضح سوى أن يختفي الخصم من الوجود فجأة بقدرة قادر، نتاج إدارة لا تتجاوز رئيس الحكومة المحتجز سعد الحريري فحسب، بل تتجاوز النظام السعودي نفسه، كأنه خطابٌ أجبر عليه ذلك النظام هذه المرة، لا سعد الحريري فحسب. وهذا النمط من الخطاب الذي يقوم على تحديد هدف استراتيجي واضح هو «تحجيم الخصم»، من خلال «تحجيم دوره الإقليمي»، لا يعني في الحقيقة منع «تخريب» علاقات لبنان العربية، بل يعني «مصادرة» الدور الإقليمي لحزب الله كقوة رادعة للكيان الصهيوني، ما يمكن «تسويقه» مرة أخرى تحت شعارات مألوفة مثل «الحرص على لبنان» و«لبنان أولاً»، وإلى ما هنالك من شعارات تمّ تمريرها في كل دولة عربية سعت لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، الأردن نموذجاً.
دور حزب الله في محاربة الإرهاب في سورية أوشك على الانتهاء، بالمناسبة، بمقدار ما أوشكت الحرب على سورية على الانتهاء، وحزب الله الذي سلم مواقعه للجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية على تخوم سهل البقاع اللبناني بعد تحريرها من التكفيريين (التحرير الثاني) لا طموح له في أن يحتفظ بأي مواقع دائمة بعد الإجهاز على التكفيريين خارج لبنان، وهو الأمر الذي يخضع بجميع الأحوال للتنسيق مع الدولة العربية السورية التي دخلها حزب الله بموافقتها وإرادتها بعد ردحٍ طويل من تدخلات النظام السعودي وأمثال سعد الحريري الأوسع نطاقاً في سورية، وما عدا سورية، لا يمكن الحديث بجدية عن «قوات» لحزب الله اللبناني تخوض معاركَ أو تقدم إسناداً رئيساً في اليمن أو العراق أو أي مكانٍ آخر، فيما توجد قوات وحملة قصف جوي سعودية في اليمن وفي غيره، وتوجد للسعودية ميليشيات وأذرع مسلحة في اليمن وسورية، أو امتدادات سياسية وإعلامية معروفة للقاصي والداني في أكثر من دولة عربية منها لبنان، ولذلك فإن تعليق فشل النظام السعودي في اليمن على مشجب حزب الله يشبه القول إن قطباً إقليمياً كبيراً مثل النظام السعودي يعجز عن أن يحقق أهدافه بسبب حزب في إحدى أصغر الدول في الإقليم مثل لبنان! وللقارئ الكريم أن يحكم على جدية مثل هذا الكلام وتماسكه…
الحرب على سورية حُسمت فعلياً، وفقرتها الرئيسة الآتية مرتبطة بما يحدث مع بعض القوى الانفصالية الكردية وداعميها الغربيين، وما عدا ذلك، فإن الحديث عن «دور إقليمي لحزب الله» يحتاج لتحديد أوضح، فهل المقصود أن له دوراً استشارياً مثلاً في بعض المواقع ربما، وإذا كان مثل هذا الدور موجوداً فعلاً، هل تمكن مقارنته بأدوار أكبر حجماً بما لا يُقاس، ولماذا لا تُطرح مشروعية مثل تلك «الأدوار»، إن جازت المقارنة أصلاً، على بساط البحث إذاً، وعلى رأسها حرب النظام السعودي المجرمة ضد الشعب اليمني منذ أكثر من ألف يوم؟ أم المقصود أن له دوراً إعلامياً (سبق أن تم «تحجيمه» من خلال حجب قناة المنار عن أقمار النايل سات وعرب سات)؟ أم المطلوب أن «لا يعلن» الحزب وأمينه العام مواقفهم السياسية من التطورات الجارية في الإقليم أسوة بكل الشخصيات العامة والقوى الفاعلة في الساحة العربية والدولية؟
لهذا فإن المطالبة بـ«توافق لبناني» على منع الحزب من «التدخل في الإقليم» يظل حديثاً أجوف ما لم يلمس الحالة الوحيدة الجدية، بعد سورية، التي لا يزال يلقي فيها الحزبُ ظلَه العالي على المشهد، وهي «تدخله» كوزن إقليمي أكثر من مكافئ للكيان الصهيوني، وقدرته على ردع الكيان، ودوره في تدعيم المقاومة ضده، وهو ما يبدو أن هنالك من يسعى أن «يحجم» دور حزب الله فيه. كيف؟ من خلال محاولة فرض معادلة شبيهة بتلك التي تتم محاولة فرضها على الأجنحة المسلحة للمقاومة في فلسطين، ولاسيما غزة، تحت عنوان «الوحدة الوطنية»، وهي ترك سلاح المقاومة في البداية على حاله، على أن يكون قرار استخدامه مرهوناً بموافقة السلطة الفلسطينية، أي ألا يكون هناك قرارٌ باستخدامه أبداً ولو كان ذلك رداً على عدوان أو تغلغل صهيوني. فهل هناك محاولة لفرض المعادلة أو القيد نفسه على حزب الله في لبنان كثمن لـ«التوافق الوطني اللبناني»؟! هذا ما يبدو أن حديث سعد الحريري الأخير يجنح إليه.
* كاتب أردني

print

مقالات ذات صله