آخر تحديث: 2017-12-18 02:53:14

عاجل

الرأي العام العربي خصم جذري للصهيونية

السيد شبل:

قد يأتي من العدوّ وخطابه السياسي والإعلامي ما يساعد على معرفة الذات وتحديد الخصائص ورسم الجبهات، فمنه، مثلاً، تعرف من المقاوم الذي يزعجه ويُرهبه حقاً ويقف عقبة أمامه؟، ومن العميل الذي يتماهى مع مشروعاته؟. فالعدو لكونه يستهدف إضعاف خصمه -دوماً، وإلى الأبد- فهو حتماً يدرسه بحرفيّة شديدة، ويدقق بالتفاصيل، ليعثر على مواطن قوّته وضعفه. في هذا السياق كانت مفيدة جداً تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، بخصوص أن الرأي العام العربي يمثّل الحائل الرئيس أمام توسّع التطبيع مع «إسرائيل»، وجاء ذلك خلال كلمته في الجلسة التي عقدت منذ نحو أسبوع مضى، في الكنيست الصهيوني، بمناسبة مرور 40 عاماً على الزيارة الكارثية التي قام بها أنور السادات إلى الأراضي المحتلة في تشرين الثاني 1977.
وأضاف: (حتى بعد مرور العشرات من السنوات.. يصعب جداً التحرر من تلك الصورة السلبية عن «إسرائيل»)، مشيراً إلى ضرورة اختراق الرأي العام، حتى لا يظل «السلام بارداً»، ولو أنه -على حد تعبيره- أفضل من «الحرب الساخنة»، مشيداً بالتغييرات التي تجري بالرأي العام، ومطالباً بدعمها!.
مما سبق نستنتج أن الشعب العربي، رغم كل الملوّثات «النخبوية»، التي حاولت اختراقه -ولا تزال- فإنه بقي على موقفه الأصلي يُمركز العداوة مع الصهيوني، بل يقيّم ساسته المحليين والقوميين وزعماء العالم، على أساس موقفهم من «إسرائيل» وموقف العدو منهم، فمن يرضى عنهم الأخير مرفوضون عنده، ومن يرفعون سلاح المقاومة في وجهه ويؤلمونه ويدافعون عن الأرض العربية المسلوبة، ويضيفون مسماراً إلى نعش هذه القاعدة الإمبريالية المغروسة في فلسطين (جنوب الشام وشرق مصر)، هم أصدقاؤه والأبطال الذين يستحقون الدعم. إليك مثالاً: الشارع العربي، بصرف النظر عن «الفقاعات النخبوية»، ينحاز إلى صف الكوريين الديمقراطيين في الشمال، انطلاقاً من كونهم شعباً جاداً طموحاً متطوراً علميّ ويهدف إلى استقلال بلاده والإمساك بثرواته وتوزيعها بعدالة وعلى أسس جمعيّة شراكية، وللأسباب السابقة، تخوض واشنطن وتوابعها (في أوروبا وفلسطين المحتلة والخليج وجنوب شبه الجزيرة الكورية واليابان..إلخ) حرباً ضد هذا الشعب بالسلاح وبالإعلام، لكن ما عزز مكانة كوريا الديمقراطية في النفوس العربية أكثر، هو إعادة تعويم موقف طياريها الداعم للجيش المصري في حرب تشرين 1973، حيث شاركت «بتجريدة» كانت تتكون من 30 طياراً، و8 موجهين جويين، و5 مترجمين، و3 عناصر للقيادة والسيطرة وطبيب وطباخ، وكذلك التركيز مع تصريح «نتنياهو» في تموز 2016، حين حددها باعتبارها إحدى خمس دول معادية لـ«إسرائيل»، وأشار إليها على الخريطة، مع إيران وسورية والعراق..، باللون الأسود، كذلك التذكير بأنه عندما فتحت كوريا الديمقراطية بابها للسائحين الغربيين في العام 1986 استبعدت الإسرائيليين إلى جانب مواطني بلدان مثل: اليابان، والولايات المتحدة، هذا إلى جانب دور الداعم، ضمن تحالف «عالمثالثي»، لسورية وللمقاومة العربية في لبنان وفلسطين.. وكل ما سبق كان رصيداً أضاف لمكانة تلك البلد.
حتى في المشاجرات السياسية، التي تقع الآن، في أي قُطر عربي، فإن القرب من «إسرائيل»، يستخدم وسيلة دائمة للتجريح بالخصم، وبصرف النظر عن صدقيّة ونزاهة المُستخدِم، أحياناً، إلا أن استخدامها المستمر، يدل على أنها لا تزال وسيلة لكسب الجمهور في الصفّ وإضعاف الخصم (طبعاً في حال ثبوت التُهمة بحق من توجّه إليه، لأن الجماهير ليست مغيّبة وهي ترفض كل أنواع التجارة.. ومنها التجارة بالوطنية والشعارات النبيلة)، وفي أعقاب الانتفاضة المصرية التي أزاحت حسني مبارك عن الكرسي، طفت فلسطين أوتوماتيكياً على السطح، رغم أنف «الساسة الملوّنين»الذين أمسكوا بـ«الحراك» ومنصّاته وإعلامه ومفاتيحه، فجرى، حشد، مثلاً، لدعم حق العودة في أيار 2011 بذكرى النكبة، كما جرى اقتحام للسفارة الصهيونية في أيلول من العام ذاته، وإنزال وإحراق «للعلم» الذي بقي «يرفرف» غرب النيل ثلاثة عقود على الأقل (ورغم إعادة السفارة مع كل الأسى والأسف، فإنه لم يجرؤ أحد على وضع العلم في الهواء الطلق كما كان، لكنها حُشرت في مسكن السفير في المعادي)، واليوم، في اليمن، يُقصف الرجال والنساء والأطفال بالطيران «الخليجي»، فيخرج المصاب ليهتف لفلسطين، وضد (الصهيوني والأمريكي.. قبل السعودي) ما يدل على وعي تام بأعدائه.
وتأسيساً، على ماسبق، ولو أن الطرح يحتاج إلى تفصيل أوسع، فإن مبادرة الداعين للتطبيع- وهم (دعاة على أبواب جهنم)، لتمرير قبول العدو الصهيوني، و«التخلّي عن الكلام الخشبي» من نوع «المقاومة» و«التحرير»، اتكاء على أن الشعب قد «تخطّى» هذه الأمور- لا سند لها في الواقع. لأن الشعب لم «يتخطّ» ما سبق، ليس لأنه مثالي، كما يتهمونه، بل إنه واقعي تماماً ويدرك أن هناك لصاً في «تل أبيب» نهب أرضه، ونفّذ ضربات عطّلت مشاريع تطوّره، وكانت تلك الضربات، التي نجحت أحياناً بسبب أخطاء داخلية أو بسبب أن المشاريع لم تأخذ مساحتها الكافية لإنضاج ثمرتها وتصويب أخطائها، بوابة في الحقيقة لأن يظل «الماضي» في أردأ نسخه يتنفس حولنا إلى اليوم، ويؤسس حركات سلفية من جهة، ويغرق في الخرافة من جهة أخرى.
حتى عندما أمّم العرب قناتهم المائية في السويس عام 1956.. جاء الصهيوني ضمن تحالف ثلاثي ليقصف بالطيران، وينفّذ دوره كحائل دون تطبيق مشاريع التنمية المستقلة وكانتقام أيضاً من الدور المصري الداعم للعمل الفدائي الفلسطيني!، وعندما حاولوا بناء مشروع نووي في العراق بادر الطيران بالتدمير في 1981!، حتى عندما ثاروا في اليمن لتُؤسس أول جمهورية تقدّمية في الجزيرة العربية تفتح الآفاق نحو المستقبل، ذهب الطيران «الإسرائيلي» إلى هناك متحالفاً مع السعودي والإنكليزي (الذي كان يحتل الجنوب) ليقدّم الدعم لفلول الملكيين المسنودين أصلاً بأموال الرياض وبجماعات من المرتزقة الأجانب، فأربك الثورة الوليدة وأجهد الجيش المصري الذي ذهب لمساندة إخوانه ولتأمين مصالح العرب ومصر الاستراتيجية في البحر الأحمر، واليوم، يقدّم العدو ذاته إسناداً جوياً مستمراً للتنظيمات المتطرّفة السلفيّة التي تقاتل ضد سورية!. لذا، فألف باء واقعية، والأمثلة كثيرة، تعني شيئاً واحداً وهو أن الصهيوني عدو، وإن أعجب «الليبرالي» شيئاً لديه، من إنفاق على البحث العلمي، مثلاً، أو نمط حياة حديث، تم جلبه مع المهاجرين الأشكناز الأوروبيين (عرقاً وثقافة)، فيجب أن يكون هذا الأمر كما الالتفات لـ«السلاح المتطوّر» في يد العدو، واجب عليك أن تبادر للتسلّح بمثله لكي تتمكن من الفوز عليه، لا أن يتحوّل السلاح في ذاته إلى مادة لتحقير الذات والإعجاب بالعدو والدخول تحت مظلّته ونسيان أنه «عدو»!.
صحيح أن ثمة محاولات إعلامية وميدانية مستمرّة لتمييع الخصومة مع العدو الصهيوني يُراد تمريرها من بوابات «ليبرالية غرباويّة»، تسعى لتهميش العداء مع الصهيوني والأمريكي، وهذه تستند على «تمويلات المجتمع المدني»، التي تأتي من حكومات أوروأمريكية، أو شركات غربية من النوع الإمبراطوري العابر للحدود، وهي تستهدف -بالأساس- الإشغال وتشعيب الهمّ النضالي، وصرف «حماسة» الشباب الراغبين بالعمل السياسي إلى أمور هامشية تنسيهم عدوّهم، ثم خطوة تلو أخرى تمهّد للتطبيع معه، وتضع «الروشتة» الحقيقية للإصلاح في الأدراج وتقدّم محلّها أشياء تدوّخ وتدوّر في الفراغ، أو يُستهدف تمريرها عبر جماعات «دينية» تؤسس برنامجها على خطابات طائفيّة، وتحارب الناس على أساس معتقداتهم الموروثة، لا على أسس مادية ومعقولة، فتكثّر بذلك الأعداء، ويضيع الناهب الحقيقي بينهم، أما إذا حملت تلك الجماعات السلاح فإنها تخوض حرباً مباشرة لمصلحة هذا العدو.. صحيح أن كل ما سبق يؤثر في الشارع العربي، ويأكل من حضور قضية المقاومة لديه، وإلا لما كانت انتفاضة القدس التي وصل عدد شهدائها الآن إلى 328، منسيّة إلى هذه الدرجة، وإلا لما كان «نتنياهو» ذاته، أشار إلى أن ثمّة اختراقاً للرأي العام، وتحوّلاً نسبياً، مطالباً بتعزيزه، وهو يعني، بالضبط: تعزيز كل ما يصرف الأنظار عن كونهم عدواً مركزياً.. لذا فالصهيوني، مثلاً، ليس، فقط، شريكاً في الدماء التي تسيل في سيناء، عبر «كامب ديفيد»، وتعطيل خطط التنمية أو اختراق الجماعات السلفية «الجهادية» وتوجيهها من داخلها.. لكنه مستفيد من حكاية أن يحلّ الإرهاب محلّه في طابور الأعداء، وهناك عملاء له يعملون على ذلك فعلاً، ويُخفون خلف دموعهم التي تسقط «حزناً» على الضحايا، برامج رخيصة للاستثمار السياسي، ولذا، أيضاً، فإن الصهيوني يكاد يكون هو المحرر الإخباري، في كل تلك الفضائيات الخليجية التي تحاول وضع أعداء آخرين محل العدو الصهيوني والأمريكي.
والغريب أو العبثي جداً أن هؤلاء «الأعداء المصنوعين» هم من محور المقاومة أو من المحور العالمي الداعم للعرب عملياً، لتقاطع المصالح في العداء مع هذا القطب المهيمن الطامع الذي يحكم من البيت الأبيض، والرأسماليات الكُبرى التي تُجلس رئيس هذا البيت على كرسيه، وتضع المال في جيبه.
المطلوب، اليوم، بالضبط، هو أن تطفو نخبة عربية تمثّل هذا المزاج العربي المقاوم فعلاً، وتطوّره من داخله (من عمقه) لا بوصائيّة وتعال وبرّانية، وأن تنطلق هذه النخبة من مصلحة الشارع لا من مصالحها وحساباتها البنكيّة الخاصة، وأن تركّز جهدها على الإبقاء على (شعلة الرفض للصهيوني) متقّدة، وتأسيس مصدّات أمام تلك الرياح التي تبغي إطفاءها، لأن بقاء هذه الشعلة هو الضامن الأساس للمستقبل، وهو ما يزعج الصهيوني، وهو حاضنة المقاومة، وهو الدليل على واقعية هذا الشعب ووعيه الناضج.
* كاتب من مصر

print

مقالات ذات صله