آخر تحديث: 2017-12-18 02:53:14

عاجل

“أحتضنُ نمراً أبيضَ وأعبرُ المحيط”.. الشاعر الصيني “خاي زي” ابن الظلام يحب الموت!

نضال بشارة – تشرين أونلاين:

لا شك أن رحيل أحد الأصدقاء في عزّ شبابه أمر مؤلم، ويتضاعف الألم إن كان مبدعاً. لقد خبر بعضنا مثل هذا الألم الذي لن يهدأ على مرّ السنوات. ويصبح الفقدان مغلفاً بكثير من الأسئلة إن كان الرحيل انتحاراً. وهذا ما ينطبق على الشاعر الصيني الراحل خاي زي (1964-1989) الذي ترجمت له المترجمة المصرية ” يارا المصري” إحدى وخمسون قصيدة اختارتها وقدمت لها وصدرت بعنوان “أحتضنُ نمراً أبيضَ وأعبرُ المحيط”، الصادر حديثاً لدى دار النسيم (القاهرة- 2017). كتب صديقه ” شي تشوان” : ( كلما مرت الأيام والسنوات، سوف ندرك بوضوح أننا في مغرب اليوم السادس والعشرين من شهر مارس عام 1989، فقدنا صديقاً حقيقياً، وفقدان الصديق الحقيقي يعني فقدان روح عظيمة، يعني فقدان حلم، فقدان جزء من حياتنا، فقدان صدى، وبالنسبة لنا، كان خاي زي، شخصاً موهوباً، أما بالنسبة لنفسه، فقد كان يرى دائماً أنه ” مَلِكُ الوحدة “، كان “حبيباً مؤقتاً للمادة”، و”مثقفاً ريفيّاً”).

ولعل اللافت للنظر تلك الأرقام الثلاثة 24 مارس 1964 ولادة الشاعر، 26 من مارس أيضاً 1989 انتحاره، 25 سنة العمر الذي قضى فيه! وهو الشاعر الذي كما تقول المترجمة لم يفهمه الناس خلال حياته، والذي بطبعه شخصاً هادئاً مفعماً بالشجن. ” إنه ابن الظلام، يغرق في الشتاء، يحب الموت” كما وصف نفسه في آخر قصيدة كتبها قبل انتحاره. وقد أصبح مشهوراً بعد وفاته ومن أصغر الشعراء المؤثرين في تاريخ الأدب الصيني الجديد في ثمانينيات القرن الماضي. وتأتي أهمية هذه الترجمة من كونها عن أدب لا يلتفت إليه عادة أكثر المترجمين الذين ينشغلون بالآداب الأوروبية وأدب أمريكا اللاتينية، وهو أدب بدأ يحظى باهتمام المترجمين الشباب دون لغة وسيطة. وتجدر الإشارة إلى أن الأديب السوري الراحل عبد المعين الملوحي من أوائل الذين التفتوا بأدب الشرق الأدنى فبدأ بترجمة مختارات من الأدب الفيتنامي ثم الصيني بمشاركة نعيم الحمصي، وعن الفرنسية، وذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

وبالعودة لسيرة الشاعر الصيني ” خاي زي” نجد أنه من بين ثماني طرائق للانتحار ذكرها في قصائده، اختار أن يلقي بنفسه أمام قطار منطقة ” شان خان قوان ” حيث كان يترك بكين محل دراسته ليذهب إليها، ويجلس على القضبان الحديدية للتأمل أو يمشي إلى جانبها. يتحدث الشاعر عن نفسه فيقول: أُحبُّ أعمال سيزان. رسوماته تُعنى بعنصر الجوهر. وقد منح هذا العالم الجودة والكمية. وهذا كافٍ. الشعر، في النهاية، هو البحث عن الاتصال الجوهري. هذا النوع من الوعي والإدراك للجوهر، كان الخاصية الأساس للشعر الملحمي(…..)، ويقول في موضع آخر: يجب أن يكون الشعر نوعاً من التفكيك والإحياء للمواجهة المباشرة بين المادة والجوهر.على الشعر أن يكون نداء الجوهر القوي وارتجافاته الخفيفة. كتبتُ عن الشمال، عن برودة الأرض والخصوبة، عن البذور تخترق كل شيء وتنمو على كف الأمة الرحب. كتبتُ عن النهر. وددت أن ألمس الأرض الصلبة بحق. وفي الحقيقة، الجوهر هو المادة، هو حالة المادة التي تستند إليها قبل الولادة، هو نواة المادة الساكن. ويجب علينا أن نقترب بهدوء من هذه النواة. سيبقى الجوهر دائماً وأبداً شيئاً يُعبَّرُ عنه، وليس شيئاً يُخترع أو يُبتدع.

على الرغم من القساوة فيما تناوله من مشاهد في قصائده، إلاّ أنها قصائد غنية بالثنائيات، الذكرى والآن، الغرق والحب، ومنها ما هو ثنائيات ضدية، في مقدمتها، الحياة والموت؛ “إنه ابن الظلام، يغرق في الشتاء، يحبّ الموت” هذا ما يقوله الشاعر في آخر قصيدة كتبها قبل انتحاره.

ومن شعره في هذه المختارات، (جواب) :

يا حقلَ القمح

حينما ينظرُ إليكَ الآخرون

يشعرون بأنَّكَ دافئٌ جميل

لكن أقفُ أنا وسطَ استجوابِكَ المؤلم

تجرحني

أقفُ تحت أشعةَ الشمسِ اللاهبةِ

وسطَ حَسَكِ القَمحِ المؤلم

يا حقلَ القمح

أيها المُحقِّقُ الغامِض

حينما أقفُ أمامك بألم

لا يمكنك القول إنني لا أملكَ شيئاً في هذا العالم

لا يمكن القول إنَّ يدي فارغتان.

print

مقالات ذات صله