آخر تحديث: 2018-01-17 16:48:33

عاجل

الخوف من الحل في سورية أنتج الهرولة إلى «حائط المبكى»

إدريس هاني:

في السياسات على الرغم من كل الفوضى التي تضرب النظام الإقليمي والدولي تكمن الحقيقة المنظّمة، قوانين التاريخ الخفية: مكر التّاريخ.. كل شيء هنا يشجّع على التّقدم بإصرار نحو تغيير عاداتنا في التفكير السّياسي.. لدينا أنحاء مختلفة من القوانين التّاريخية.. وبينها برزخ يتحدد بمكر التّاريخ الذي تكمن قواعده في اللاّوعي الجماعي والكوني.. تضعنا الأحداث أمام حقيقة تعقيد واقعنا.. بينما سعت الإمبريالية إلى تكريس فهم مبسّط للعالم.. قد يستطيع كلّ إنسان أن يرى في قرار ترامب فزّاعة جديدة لخلط الأوراق وإذكاء غريزة الهرولة نحو الخيارات الاستسلامية..شكل من المراجعة والتحيين بالسياسات.. يسعى الراعي الأمريكي لهزيمة الرجعية أن يذكّرها بما في ذمتها من واجبات..كلّ هذا يذكي لدى المثقّف الملتفت إلى مقالب مكر التّاريخ بأنّ ترامب هو الرّجل المناسب في زمن الحماقة الإمبريالية.. لقد وفّى لجماعة المصالح بقرار أحمق بخصوص نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ولكنّه عرّى على الخدعة الكبرى: الحرب باسم تحرير الشعوب وبرسم «الربيع العربي»، الحرب التي تورّمت حدّ المرض في سورية، وقادهم الفشل إلى إعلان المخفي: الهرولة إلى حائط المبكى.. لقد اتّضح أخيراً أنّ حماة «الربيع العربي» كانوا يعملون بطريقة ممنهجة على تصفية القضية الفلسطينية.. وذلك لأنّ قادة هذا «الربيع» سبقوا ترامب لإعلان الوفاء لجماعة المصالح في أمريكا حينما خطبوا في منابر إيبّاك وأعلنوا في عواصم بلدانهم حينما رجعوا بأنّ فلسطين ليست أولويتهم.. مرسي الذي رفع عقيرته وهو يعلن أنّ «الجيش الوطني المصري سيكون تحت تصرف ميليشيا الجيش الحر » – في سابقة من نوعها في الإساءة للجيش المصري – هو نفسه بعث برسالة محبة وصداقة لبيريز.. الغنوشي خطب في إيبّاك وقال فلسطين ليست أولوية.. الإخوان بشكل عام أصدقاء برنار هنري ليفي عدّوه فيلسوف ثوراتهم بينما هو يؤمن بالقدس عاصمة «لإسرائيل».. وحده محور المقاومة لم يتنازل عن أن فلسطين هي القضية.. انظر تجد أنّ عصابة الكراهية ضدّ سورية، والتي كانت تنتج بالليل والنهار فتاوى ضدّ سورية وقيادتها تصاب بالخرس هذه الأيّام.. توقّفت ثوروية القرضاوي ودعاة صغار مثل العريفي وبقية الفرقة الغوغائية عن إصدار شيء مثير حول القدس.. عناق تاريخي بين الوهّابية والصهيونية.. كلّ أبطال الظلام والحروب الخاطئة سكتوا.. محور المقاومة وحده يتحمل المسؤولية التّاريخية لمواجهة الوهابية والصهيونية معاً باعتبارهما أدوات إمبريالية في المنطقة.. وحده في الميدان وإن كان الجهل المقدّس -بتعبير أليفي روا – مازال مهيمنا حتّى الآن.. الإخوان اليوم يزعقون باسم القدس، ولكنهم قاتلوا عرين العروبة وتآمروا على محور المقاومة.. ما زالوا يحملون الحقد لمن ليس في الوسع تعزيز المقاومة إلاّ بهم.. الإخوان الذين يزعقون اليوم باسم القدس هم من انخرط في برامج التدريب على الديمقراطية في أمريكا، أي بتعبير آخر كيف ينجزون حرباً ناعمة على محور المقاومة باسم ديمقراطية المحتلّ.. كيف يمكن التفكير في إنجاز مقاومة في فلسطين على أرضية التآمر على سورية التي احتلّ جولانها بسبب صمودها في وجه الكيان الصهيوني.. كيف تصبح معالم الوفاء التاريخي لفلسطين عناصر في تفسير خاطئ للموقف؟ الرؤية التاريخية غير الرؤية السياسية الآنية: لقد ساهم صمود سورية في تفجير تناقضات الإمبريالية ومحورها الرجعي الذي بات اليوم يطلب الهروب والحماية من الكيان الصهيوني لأنه يدرك أنّ الحلّ في سورية سيكون كما أرادته سورية.. ولا يمكن أن يطيق محور الرجعية سورية كما هي مع فائض قوة مقاومة.. من يقرأ الأحداث خارج هذا المنطق ستحجب عنه حقائق كثيرة.. التاريخ اليوم يكشف عن منعطفات جديدة.. الشعوب التي تمّ تخديرها بأفيون الميديا النفطية تستيقظ شيئاً فشيئاً.. بات تاريخ المؤامرة يكتب منذ اليوم ديباجته الفضائحية.. لن يستطيع محق مكر التّاريخ.. لا شيء أمام المهرولين إلاّ أن يكفّوا عن عنادهم الجاهلي، ويعتذروا لسورية ويطلبون الصّفح منها، سيكون ذلك أهون من بؤس الهرولة إلى حائط المبكى..

  • كاتب من المغرب
print

مقالات ذات صله