آخر تحديث: 2018-04-24 00:49:27

عاجل

تحية لشيخ شعراء سوريّة الشاعر الكبير شوقي بغدادي

نضال بشارة ـ تشرين أونلاين:

لم يعد الاحتفاء بتجارب المبدعين رهناً بالمؤسسات الثقافية الحكومية، وغير الحكومية، فوسائل التواصل الاجتماعي تحتفي على طريقتها بهم، بمبادرة من أحد المبدعين.

فالشاعر عبد القادر الحصني – ولعله صاحب أول مبادرة – أعلن بعد ظهيرة يوم السادس من الشهر الأخير من العام المنصرم أنه سيخصص صفحته على الـ (فيس بوك): ” تحيّةً لشيخ شعراء سوريّة الشاعر الكبير شوقي بغدادي”، وهي خطوة لافتة وجميلة. إذ مضى الحصني يقول: “ستكون صفحتي، من يوم غد وإلى نهاية هذا العام، مكرّسةً لتحيات وشهادات لشعراء وأدباء عرب في تجربته مبدعاً وإنساناً وعاشقاً من عشّاق دمشق. أُقدِم على هذه التحيّة لما لهذا الرجل من تجربة إبداعيّة جديرة بالتقدير، ومن سيرة حياتيّة ناصعة، ومن يدٍ بيضاء على تجارب عدد لا بأس به من شعراء الأجيال التي أعقبت جيله”.

في ضوء ذلك اقتطفنا في موقع ” تشرين أونلاين” من بعض ما دوّن على هذه الصفحة لأنه من المتعذر الاقتطاف من كل الشهادات التي قدمت بقعة ضوء واسعة الطيف على الشاعر بغدادي مبدعاً وإنساناً.

في غبش الفجر

وبالمقطوعة الشعريّة التالية للشاعر بغدادي افتتح الحصني أيّامَ الحفاوة هذه:

” أحبُّك…/ اسأل قنبلةً سقطت قرب بيتي: أحانَ ألأوانُ؟/ ولن أستطيع اختراق الحواجزِ كي أتيقن أنك سالمةٌ/ في الزقاق الذي تسكنينْ/ رايتكِ في غبش الفجرِ، راكضةً تصرخينَ/ رأيتُ أباكِ وأمكِ يسترحمانِ / ولكنّني لم أشاهد أخاكِ / أأنساه مستبسلاً غاضباً/ حين قابلته قبل قرع الطبولِ/ وكيف توعَّدَهمْ / ساخراً منهمُ خالدين/ أنا ما أزالُ على حافة الرعب والهولِ / لا أستريحُ / ولا استكينْ.”

من تونس كتب الشاعر د. محمد الغُزّيّ: شوقي بغدادي يعدّ مدرسة، مع كل ما تنطوي عليه هذه العبارة من معاني التفرد والتميز، ألهمت عدداً من الشعراء وفتحت أمامهم آفاقاً تعبيرية جديدة. في شعره شيء من سلاسة الشعر الفرنسي وشفافية الشعر الإسباني وغنائية الشعر الشرقي القديم ..قصائده كتابة لتاريخ الروح العربية خلال عقود..كتابة لانتصاراتها وانكساراتها، لطموحاتها وإحباطاتها.

أمّا الشاعر العراقي ‏وليد الصراف‏ حيّا الشاعر بغدادي بأبيات شعرية منها:

” ماقـلـتُ شــوقي ولارددتُ في جـدلِ/ إلا اخـتـزلـتُ بـلاد الشـام في رجُــلِ/ ووردة الشين بالعطر الذي نفحـتْ/ في مطلع اسميهما فاضت على الجمل/ (……..) لا لستَ شيخاً على التسعين أشرف بل/ طفلٌ به مرّت التسعون في عجل/ شوقي الشآمِ وشوقي مصرَ أيّـهـما؟/ كلاهمـا جـبـل أعلى من الـجبـل.”

كسر الصورة

ويعترف الشاعر د. نزار بريك هنيدي في مستهل شهادته قائلاً: لشوقي بغدادي دَينٌ كبير عندي وعند أبناء جيلي من الشعراء والكتاب والمثقفين السوريين. دينٌ لا يقتصر على ما قدمه شوقي بغدادي الشاعر والكاتب،من منجز إبداعي، في الشعر والقصة والرواية والزاوية الصحافية. وإنما يتجاوز ذلك كله، إلى ما قدمه شوقي بغدادي الإنسان، الذي أغدق علينا من محبته ودماثته ما جعله صديقاً حميماً لنا جميعاً بالرغم من الفوارق الكبيرة في العمر والتجربة والآراء والمواقف. وكان من شأن ذلك أن يكسر الصورة التي كانت سائدة عن نمط العلاقات في الوسط الثقافي.

وفي موضع آخر كتب: في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، كان شوقي واحداً من ألمع نجوم الثقافة والأدب في دمشق. يكاد اسمه لا يغيب عن مجلة أو صحيفة، ولا صوته عن منبر في مهرجان أو أمسية أو ندوة أدبية. أما الجانب الأكثر أهمية في علاقتي وعلاقة أبناء جيلي مع شوقي بغدادي، فهو ذلك الجانب الذي لا يمكن ترجمته إلى كلمات. لأنه يتعلّقُ بالحميميّة التي كان يضفيها على علاقته بنا جميعاً، بشكل تذوب معه الفوارق في الأعمار والأفكار، لنصبح (شلّة) من الأصدقاء، نلتقي ونتحاور ونختلف، دون أن يفسد خلاف الرأي للودّ قضية. وذلك درس آخر بالغ الأهمية من شوقي بغدادي، لو أحسن الشعراء والكتّاب تمثّله لكانت حياتنا الثقافية اليوم قد تخلّصت من أبرز عيوبها ومثالبها. ولا أعتقد أن أحداً منا بوسعه أن ينسى تلك الجولات التي كان يقودنا فيها شوقي بغدادي سيراً على الأقدام في أزقّة وأحياء دمشق، من الشيخ محي الدين حيث نتناول الفول المدمس في مطعم (بوز الجدي) العريق، إلى حارات (باب توما) القديمة، إلى مقهى (النوفرة) بالقرب من الجامع الأموي، إلى غوطة دمشق ومصايفها. وللحق، فإن عشق شوقي بغدادي لدمشق يحتاج إلى وقفة متأنيّة من النقّاد والباحثين، لدراسة تجلّي هذا العشق في أعماله كلها، منذ قصائده الأولى ,حتى ديوانه المتميّز (البحث عن دمشق).

رمادٌ مُذهَبٌ

ومن أبيات قديمة كتبها الشاعر الحصني في جلسة مع صديقه الشاعر شوقي بغدادي، نشر مايلي:

خمسون خمسونانِ بل أكثرُ * ما همَّ إنّا لم نزل نسـهرُ

أجمـلُ مـا فـيـنا خسـاراتـُنا * وأنّـه لم يـبـقَ ما نخسـرُ

ما تحسبون الشيبَ في مفرقي * من طالما نجمٌ به يعبرُ

هذا رمادٌ مُذهَبٌ، صدِّقوا * قد ذُرّ في شَعري، ولا أشعرُ

شعر للأطفال

الشاعر بيان الصفدي خص شهادته في تجربة شوقي بغدادي في شعر الأطفال، فكتب: جاء الشاعر بغدادي إلى شعر الأطفال بعد رحلة طويلة مع الشعر للكبار، فأصدر ثلاث مجموعات شعرية للأطفال صدرت عن وزارة الثقافة، اثنتان ضمن سلسلة كتاب أسامة الشهري هما “عصفور الجنة” عام 1982 و “القمر على السطوح” عام 1984، وكان قد نشر عدة قصائد لم يضمها كتاب في مجلة “أسامة” وعلى نحو متباعد، ثم انقطعت المساهمات لتعود منذ عام 2003 بعدد من القصائد والحكايات الشعرية شكلت انعطافاً فنياً في شعره للأطفال، ثم صدرت مجموعته الثالثة “المعلم جميل” عن وزارة الثقافة عام 2011. وفي موضع آخر كتب الشاعر بيان: وبغدادي مولع بتحويل اليوميات البسيطة إلى حقل شعري، وهذا ما حاوله دائماً، خاصة في قصائد عديدة عن المهن، مع ما في ذلك من إعلاء للعمل، بسيطاً كان أم جليلاً، كما نرى في “أغنية النساج” أو “أغنية الجزار” أو “المعلم جميل” أو ” النجار” أو ” أغنية الغسالة”. ومن هذه التجارب الأخيرة مجموعة القصائد التي نشرها الشاعر بغدادي في مجلة “أسامة” خلال العامين 2004 و2005، ففيهما قدم موضوعات لصيقة بالطفل، أو مأخوذة من عالمه، أو مهمة من ناحية تربوية، لكن الشاعر لا يكتفي بقصيدة مجنَّحة، سلسة البناء، بل نلحظ بقوة اهتمامه بالطريقة الشعرية الخاصة في معالجة الموضوع.

روائح الأحبة والخصوم

وعن خيمياء الشعر في تجربة الشاعر المحتفى به كتب الشاعر الناقد د. سعد الدين كليب، مشيراً إلى عناصر الحواس التي كونت معادلة قصيدة بغدادي: إذا أردت أن تتعلم خيمياء الشعر فاذهب إلى شوقي بغدادي. عنده سوف ترى الأواني والأنانيب والحوجلات بأشكالها وأحجامها المختلفة، وسوف ترى المواد الصلبة واللزجة والسائلة والغازية جميعاً. بل سوف ترى أيضاً روائح الحارات القديمة وروائح البيوت وروائح الأحبة والخصوم، وكذلك روائح الشوارع والحدائق والأسواق العامة، سوف ترى ما دقّ وما جلّ من كلّ ما يدقّ ويجلّ من شؤون صغيرة وعادية، وقضايا عظمى واستثنائية. ليس هنالك شيء ممنوع من الشعر في مختبر شوقي بغدادي. فكلّ المواد شعر بين يديه أو برسم الشعر، وليس عليه لكي يخرجها قصائد إلا أن يمزجها “بخلطته” الشعرية العجيبة فتكون ممهورة بتوقه الجمالي وذوقه الفني: قطعة من حجر كريم أو خشب الزان أو الصفصاف، فوقها قطرة أو قطرتان من رائحة الحارة أو الحبيبة أو النارنج، مع حبة الهال وبضعة أنفاس ممزوجة بالآه والحلم ورقصة ستي. توضع كلّها في الإناء أو الحوجلة بحسب الحاجة والرغبة، ثمّ ينفخ عليها الخيميائي من روحه ويخضّها خضّ عاشق ممسوس، فتكون القصيدة.

 

print

مقالات ذات صله