آخر تحديث: 2018-01-17 17:05:15

عاجل

الشاعرة لما حسن: تجليات الثقافة تبرز في الموروث الشعبي

ثناء عليان – تشرين أونلاين:

في مراحل مختلفة من التطور البشري حصلت الكثير من التجارب التي أنتجت ثقافة المشاركة، وثقافة العدالة الاجتماعية، وثقافة المصالح المشتركة، لكن هذه التجارب وهذا التطور لم يأتيا على طبق من فضّة، بل كانت الفاتورة باهظة غالباً، تتضمن حروب وجرائم وتأسيس بُنى عقائدية ودينية مقاومة للنزعات الفردية ليحوّلها أفراد أذكياء لاحقاً لمصلحتهم، ومع كل مرحلة تتبلور ثقافة ويبنى جزء من كيانها.

هذا ما أكدته الشاعرة لما حسن في المحاضرة التي ألقتها في المركز الثقافي في طرطوس تحت عنوان “الإنسان والثقافة بين الأثر والتأثر”، لافتة إلى أن تجليات الثقافة على مستوى الشعوب تبرز في الموروث الشعبي كحامل رئيسي للقيم والعادات والمنظور الذي ترى الجماعة من خلاله العالم.. ومن هذا الموروث الأمثال التي يتوافق بعضها مع فكر الجماعة وتجربتها الجمعية، والحكايات الشعبية التي تحافظ على صورة نمطيّة تكرّس بعض القيم الأخلاقية الهامة لحفظ وضبط الجماعة من جيل الى جيل، هذه الحكايا تغيّرت ـ بحسب الشاعرة حسن ـ مع نضج التجربة الثقافية للبشر الذين وصلوا إلى مرحلة إعلاء قيمة الفرد الإنسانية ومشاعره، وبروز خصائص فردية له مثل الوفاء والشاعرية وغيرها. كقصة روميو وجولييت، التي خلدت احتفاءً بالحب في مقابل النظم العائلية والدينية والطبقية.

وتنتقل حسن من القصص إلى شكلها الأكثر سحراً وخلوداً “الأساطير” فتقول: يكفي أن نراقب تطوّر صورة عشتار من ربّة مطلقة في عصور الزراعة إلى مجرّد رمز للغواية والانتقام الشرّير والخطيئة دون سلطات فعلية، وهو تحوّل أسطوري يوثّق لتدرّج انحدار نظرة المجتمع للمرأة ودورها فيه، لافتة إلى أن فن صناعة الأسطورة استمر في العصر الحديث مع الفن السابع، الذي عكس صورة النجم الأوحد فيها، وفي الخمسينيات من القرن الماضي ظهر لأول مرّة مفهوم “النّجمة” الذي لقّب به أحد الصحفيين الروّاد مارلين مونرو، فكان مقياس الجمال، الجسد الأنثوي والشهوانية حيث بدت مونرو امرأة مغناج تمنح الرجل ما يرغب به من الإعجاب، ومع مرور الزمن ودخول عصر الاستهلاك والسرعة اضمحلّت أنوثة مونرو وأصبحت غير ملائمة لحياة العمل التي تتطلب من المرأة أن تتبنّى شخصيّة أكثر ذكورية لتنال ثقة أربابها في العمل، فانعكس ذلك على مقاييس الجمال الأنثوي التي باتت أكثر ذكورة مع الطول الفارع والنحافة واختفاء المعالم الأنثوية التي ميّزت نجمة الخمسينيات.

ومن يشاهد ملابس الممثلات في أفلام التسعينيات يرى بوضوح كيف أن البدلة الرجالية الواسعة جداً كانت هي الزّي الشائع للنساء، كما غاب إغراء مونرو لتحلّ محلّه اباحية مادونا التي كانت صورة صارخة للمرأة كموضوع جنسي صريح ومبادِر ينسجم مع الثقافة الاستهلاكية الجديدة ومنطق التحقيق الآني للرغبات، بمعنى آخر أصبح “البحث عن السعادة” هدف حياة الإنسان الحديث.

وبينت حسن أن الصورة التي كرستها السينما للمرأة اليوم تخطّت الأنثى النحيفة والطويلة إلى امرأة رياضية ذات عضلات واضحة أخذت أدوار البطولة المطلقة في أفلام محاربة الشر، وبالمقارنة مع السينما العربية نلاحظ أن مواكبة السينما المصرية في عصرها الذهبي لهوليوود توقّف وبقي الصوت الأنثوي خافتاً فيها في انسجام مع واقع المرأة وواقع المجتمع العربي الذي لم يواكب تطورات العصر ولم يدخل الثورة الصناعية، لكنّه دخل ثقافة الاستهلاك دون أن يترافق ذلك بالإنتاج الضخم والمبدِع. فظهرت المرأة على الشاشات العربية ترتدي “البيكيني” وتتنزه مع حبيبها على الملأ بل وبصورة نقيضة برزت نساء جدّيات تبوّأن المناصب السياسية وعملن في المهن التي كانت حِكراً على الرجال، وبقيت كل من هاتين المرأتين العربيتين -المتحررة والجدّية- قانونياً “أنثى قاصر” لا تملك أمر نفسها حتى لو “ملكت” وزارة، وتبقى عقلية المجتمع رافضة للمرأة البطلة رغم وجود نساء كثيرات تستحق هذا اللقب، فكان واقع المجتمع العربي وقوانينه وعقليته وأحلامه في أماكن غير منسجمة مع نفسها ومتناقضة، في حين تشكل النساء في الغرب “رغم واقعهن السيىء” في كثير من حيثياته، مجموعة ضغط أو لوبي يستطيع أن يمرر شيئاً من القوانين لمصلحته، مؤكدة أن القوة التشريعية لحقوق المرأة ما زالت لا تتناسب ونضالها الطويل، في انسجام مع وضع حقوق الانسان ككل في مجتمع يقبل بالعنف كأسلوب فعّال يمارسه الأكثر سلطة على الأقل سلطة.

وفي مجال الموسيقا تؤكد حسن على أن لأنواع الموسيقا المختلفة وتفضيلاتها دلالات اجتماعية وثقافية وطبقية تدفع البعض أحياناً لاتّخاذ موقف تجاه نوع ما، وتصفه بالقبيح أو الممل لمجرّد رفضها لما يمثّله، فمحبّ الموسيقا الغربية يبتعد عن الفن الشرقي حيث يعتبره فناً أقل قيمة لأن الشرق كثقافة برأيه أقل قيمة، بينما يرفض عاشق الموسيقا الشرقية الاستماع الى الأغاني الغربية على اعتبارها وسيلة جديدة للاستعمار لفرض ثقافته ومحو الثقافة الشرقية، أما محب الموسيقا التراثية القروية فيتمسك بها لتمثيلها أصالته بينما ينبذها بورجوازي المدينة على أنّها ذات دلالة شعبية وتراجع في التطوّر الاجتماعي..كل هذه المواقف تحوّل الموسيقا الى عامل تفريق إضافي بين البشر.

وترى حسن أن ما يميّز العصر الحديث موسيقياً هو التمازج بين الفنون وأنواعها، كما تعتقد بأن أي تغيير جذري في المجتمع ليقبل فكرة أو أخرى يأتي من خلال الفن لأنه الأكثر فطريّة، يخاطب الحواس ويزرع الأفكار في منطقة اللاوعي، وهو الوحيد القادر على تجسيد الحلم الذي يذلل كل منبّهات الوعي التي تقول بأن الحلم مستحيل، وفيما يخص سورية تحديداً تؤكد حسن أن ما تتمتّع به من تنوّع كبير في الثقافات والانتماءات يشكل نقطة قوة من حيث عصريّته ولا محدودية أفقه، مبينة أن الحوار بالفن يعزز التعاون من خلال الأشكال الفنّية التي تعمل بهدوء في رتق النسيج عبر الزمن.

print

مقالات ذات صله