آخر تحديث: 2018-01-17 16:48:43

عاجل

د.فاديا سليمان: شِعرَ أمل دنقل ميدانٌ فسيحٌ والكشف عن كلّ جوانبه أمرٌ عصيٌ

ثناء عليان ـ تشرين أونلاين:

عرفَ العربُ وجوهاً متعددة من البحث الأسلوبي, وقد حاولوا الولوج إلى عالم النّص من زوايا متنوّعة, لكنهم لم يعمّقوا النّظر المنهجيّ في هذه الوجوه, وإنّما ظلّت جهودهم اجتهاداتٍ متناثرةً حفظتها كتبُ الموروث البلاغيّ والنّقديّ والنّحويّ واللغويّ؛ إذ نظر سيبويه – على سبيل المثال– إلى الحدث الّلغويّ بوصفه نشاطاً خلّاقاً عند الإنسان العربي, وهنا يجاوز هذا النّحويّ الكبيرُ الأداءَ المجرّد إلى ربط الإبداع بفهم حركيّة اللّغة وفقه أسرارها، أمّا النّقاد والبلاغيون فقد حرصوا على رعاية صفة المخالفة في الاستخدام الفنّي للّغة, هذه الصفة الّتي تشي بدلالات المغايرة والانحراف, والتّجاوز, والعدول, والانزياح… إلخ, وصفة المخالفة أو الانزياح هي المسؤولة عن إثارة المتلقي من جهة, وإنجاز صورة قادرة على التّعبير عن فضاءات شعريّة مُدهشة من جهةٍ أُخرى.

جاء هذا في الدراسة التي قدمتها الدكتورة فاديا سليمان تحت عنوان “الانزياح وشعريّة اللّغة في تجربة الشّاعر أمل دنقل” بينت فيها نظرة العصر الحديث للانزياح وهي نظرة مُتقدّمة تتساوق مع التّطوّر النّقديّ القائم على أساس اعتبار الّلغة الشّعريّة لغة خرق وانتهاك للسّائد والمألوف, وبقدر ما تنزاح الّلغة عن الشّائع والمعروف تحقق قدراً من الشّعريّة في رأي كوهن.

من هنا جاء اختيار الدكتورة سليمان لبحثها للوقوف على السّمات الأسلوبية للصّورة البلاغية التي اتّسم بها شعر أمل دنقل من خلال التّحليل العميق لمكنوناته.. فكان لا بدّ من التّركيز على النّوى الأسلوبيّة لديه انطلاقاً من لغة التّحقق الشّعريّ؛ لأنّها قادرة على الوصول إلى القارئ, والتّأثير به.

وقالت سليمان: حاولت في هذه الدراسة مقاربة النّصّ الدّنقليّ بالاعتماد على إحصاء الظّواهر الفنّيّة اللّغوية واستنطاقها, مشيرة إلى أن السّبر النّصّي المؤمّل يقدّم معطيات أوليّة يمكن استثمارها من خلال ملاحقة المعطى المضمونيّ للّغة في فضاءاتها الجماليّة الخصبة.

وقدمت سليمان في بحثها تمهيداً يتحدّث عن مفهوم الانزياح والشّعريّة، مشيرة إلى أن الانزياح، ظاهرةٌ أسلوبيّة تُظهرُ عبقريةَ اللّغة، حين تسمح بالابتعاد عن الاستعمال المألوف فتُوقعُ في نظام اللغة اضطراباً يصبح هو نفسه انتظاماً جديداً، لافتة إلى أن الوظيفة الشّعرية للنّص لا يتم إيصالها للمتلقي إلا من خلال الانزياح، لأن المعنى الأساسي (التّصويريّ) متّفق عليه، لكنّ الأديب يرمي إلى المعنى الأسلوبيّ فيستخدم كلمات ذات مقدرة خاصة على الإيحاء.

وفي بحثنا الموسوم بـ (الانزياح وشعريّة الّلغة في تجربة أمل دنقل ), كنا نعلم أنّنا على وشك الإبحار في آفاق من الإبداع, والتّميّز الخلّاق.

فقد ارتبط شِعر دنقل – بحسب الدكتورة سليمان- بتجربته الشّعوريّة ارتباطاّ وثيقاً؛ إذ كان يلتقط حدثَه الشّعريّ من الواقع, يرجّهُ في أعماقه ويناول رموزه إلى القصيدة التي تقوم على حركيّة فنيّة قادرة على التّأثير, وإثارة انفعالات المتلقي, من خلال عنصر الشّفافيّة المثخَن بتجاويف إشكاليّة تدرك المتضاداتِ, ولا تدركها المتضاداتُ.

وتؤكد سليمان أن رحلة الإبحار والبحث في تجربة دنقل كانتْ مضنية؛ لأنّ الشّاعر أمل دنقل صوتٌ شعريٌّ فارِقٌ تعجّ لغته بحداثة متنازع عليها, ولكن لا أحد ينكر سحرها الجذّاب الهارب؛ أي أنّ شعريتها المثيرة فرضت إيقاعاً جديداً على لون القصيدة العربيّة الحديثة وعلى طعمها أيضاً, لِما اتّسمتْ به هذه التّجربة الشّعريّة من تغليف الحدث بما تُنتجه علائق اللغة, فيتحوّل الحدث الشّعري إلى مجازات تحتكر حيّزاً ناطقاً في قاع النّص, ممّا يؤكد الوظيفة الشّعرية للّغة؛ فالفن لا يكون فناً حتى يتنفس من تسلّط المعيار، وحتى تعجّ بنيته بانتهاك النّظام وخرق الأعراف, هذا ما مدّ نصوص الشعراء بجمال أدبيّ دلالي أسلوبيّ.

وقالت: إن شِعرَ أمل دنقل ميدانٌ فسيحٌ, والكشف عن كلّ جوانبه أمرٌ عصيٌ, لذلك حاولت بحثها الذي قسمته إلى أربعة أقسام أن تقطف من كل بستانٍ زهرةً, لكشف فاعليّة الصّورة الشّعريّة في النّصّ الدّنقليّ؛ إذ إن اللّغة في جوهرها علاماتٌ دّالةٌ على معانٍ, واللّغة الشّعريّة متحركةٌ بين المستوى الظاهريّ, والمستوى الباطنيّ, أو ما وراء اللّغة, وغائيّةُ كلّ تحليلٍ نصّيّ هي الكشف عن المستويين؛ الظّاهريّ الأفقيّ, والماورائيّ العميقْ.

وأضافت: في النصّ (الدّنقليّ) مظاهرُ شكليّة ومضمونيّة متعددة يمكن أن نعدها مفاتيح أو مسالك مؤدّية الى هيكلية النّص العام؛ حيثُ أن الأداة الفنيّة في شعر أمل دنقل ذات طبيعة دينامية, ويعود ذلك إلى انفتاحها على تقنيات التّجارب الفنيّة المعاصرة من جهة, وإلى توازيها مع رؤية الشاعر التي تثور على السكونيّة فتمتاح من المطلق/ اللا متحقّق من جهة ثانية. وبذلك يتسع فضاء الصّورة الشعريّة.

لقد أكدت القراءة التحليلية التي قدمتها الشاعرة فاديا سليمان لنص الشاعر أمل دنقل أن الصّورة في الشعر شيء, والصّورة الشّعريّة شيء آخر, ففي الوقت الذّي يقترب فيه مفهوم الصّورة في الشّعر من الدّلالات المعجميّة لمفردة “الصّورة” نرى أن شعريّة الصّورة أو الصّورة الشّعرية تجاوز الدلالة القاموسية.

print

مقالات ذات صله