آخر تحديث: 2018-02-25 17:15:13

الإمبريالية التقليدية .. والغزو في أعالي البحار

د. رحيم هادي الشمخي:

الحكام الجدد للعالم هم الحكام القدامى أنفسهم، لكن بوجوه جديدة، اليوم لم تعد الإمبريالية التقليدية متمثلة بالغزو في أعالي البحار وإخضاع الشعوب عسكرياً هي النمط المتبع، إذ عوضاً عن ذلك هناك إمبريالية جديدة غير مباشرة ناعمة أحياناً وخشنة أحياناً أخرى تستخدم التكنولوجيا والشركات العابرة للقوميات والقارات وشعارات معلومة.
إن الشكل الحالي لعلاقات القوة في العالم شكل إمبريالي صرف يحابي الأقوياء على حساب الضعفاء ويزيد من الفجوات الموجودة أصلاً في عالم اليوم ولا يردمها، وما حدث ضد العراق وسورية وليبيا واليمن وما تبقى من ذيول هذه المؤامرة الكبرى على الأمة العربية مازال ينفذ بموافقة وتخطيط من العدو الصهيوني على المنطقة العربية.
يقول النائب الأمريكي السابق ديك تشيني: «إن الحرب ضد الإرهاب التي أطلقتها واشنطن بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول قد تستمر لأكثر من خمسين سنة»، وهذا ما يؤكد أن الذريعة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية للاستمرار فيما تسميه حرباً ضد الإرهاب سوف تمتد، وأنه خلال العقود التالية سوف تتحول ثقافة الاستعداء والخوف إلى مرحلة إلقاء مسؤولية كل ما يحدث في الداخل على الأعداء الخارجيين، وبمعنى آخر فإن هذا الاقتراب لأساليب التفكير «للعالم ثالثية» التي تنسب كل الشرور والتخلف والتردي الذي تعاني منه إلى الاستهداف من الخارج، سوف يفاقم عقدة الشك بالآخرين، ويعزز ذلك سياسات الإدارة الأمريكية الحالية وخاصة بعد مجيء ترامب من خلال خطابها الذي يركز على أن ما تتعرض له أمريكا من كراهية وعداء «بسبب الغيرة والحسد لما وصلت إليه من تقدم وحضارة ورفاهية»..
لكن ما هو أعظم من ذلك هو ما يقبع وراءه من رغبة أمريكية جارفة وواعية في آن واحد إزاء الحفاظ على الوضع القائم لتوزيع القوى والنفوذ في العالم وتحت مسميات جديدة للعولمة، وكما نعرف إن نظرية الحفاظ على الوضع القائم في أمريكا تتضمن تعزيز رؤية ونظرة (جورج كينان) أحد أهم العقول الاستراتيجية الأمريكية في الخمسينيات من القرن الماضي الذي أطلق مقولة شهيرة تقول: «إننا، أي الأمريكيين، نملك أكثر من 50% من ثروات العالم بينما لا يزيد عددنا على ما نسبته 6.2% من سكان العالم، إن هدفنا الاستراتيجي يجب أن يكون في المحافظة على هذه الفجوة» وانطلاقاً من هذه الرؤية فإن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية فتحت المقولات البراقة عن عصر الاتصالات و«القرية المعولمة» والهواتف النقالة، وتخفيض القيود الجمركية وكل ما ينسب إلى الحقبة المعولمة الجديدة وهي عولمة الفقر، وهذه العولمة تكرسها سيطرة الرباعي الدولي (أمريكا وبريطانيا وكندا واليابان) على منظمة التجارة العالمية كما يكرسها التحالف المالي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بما يحافظ على الاستنزاف اليومي لدول العالم الثالث عن طريق تسديد الديون الهائلة للغرب بمعدل مئة مليون دولار يومياً، وهذا الاستنزاف لا يحافظ على الفجوة الهائلة بين الشمال المترف والجنوب المسحوق فقط، بل يزيد منها على هوامشها صوراً مؤلمة مثل موت أكثر من ستة آلاف طفل يومياً في العالم الفقير من جراء الإسهال الناتج عن غياب الماء النظيف وعدم وجود الرعاية الصحية والجوع.
ولو رجعنا إلى دور أمريكا السابق في الستينيات والسبعينيات فهي أوجدت المثال الأندونيسي أي (التلميذ النموذجي) الذي استخدمته أمريكا من أجل فرض نظام السوق الحر على أندونيسيا ودعم رئيسها السابق (سوهارتو) والتغاضي عن كل سياسته بسبب تحالفه الوثيق مع الغرب أو لانصياعه «التلميذي» المدهش لما يطلبه منه أساتذته، وقد تم لقاء في جاكرتا عام 1967 بين وفود غربية وأركان النظام الأندونيسي، تم فيه ترتيب أوضاع الاقتصاد بشكل يربط عجلة ذلك الاقتصاد بالاقتصاد الغربي ولخدمته، أما خلال هذا الاجتماع فقد تم توزيع المجتمعين إلى غرف أربع، واحدة للمناهج وثانية للخدمات وثالثة للبنوك ورابعة لبقية القطاعات، وكيف حافظ الغرب على الإبقاء على سياسة التغاضي عن سوهارتو، رغم ارتكابه مجازر بحق الشعب الأندونيسي، سقط ضحيتها أكثر من مليون إنسان بريء.
أما ما جرى في أفغانستان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين فهو تدمير لشعب هذا البلد رغم فقره، فالميزانية الأفغانية تبلغ 83 مليون دولار وهي أقل من عشر تكلفة طائرة بي 52 المستخدمة لقصف قرى وأماكن نائية خلال شهر من الحرب التي سقط خلالها مئات القتلى والجرحى، وهناك عمل آليات السيطرة التي بوساطتها تتمكن الدول الكبرى من توفير الأجواء الملائمة لشركاتها الكبرى لجمع الأرباح وتعظيمها (بوساطة اليد الخفية للاقتصاد) والقبضة الحديدية للجيوش لضمان تلك الأجواء، كما أن القوات الأمريكية المرعوبة من خوض أي حرب برية عمدت إلى قصف قرى وتجمعات صغيرة جداً لا يمكن أن توضع على أي خريطة بسبب صغرها.
وفي كل هذا فإن الإعلام الأمريكي والغربي الذي يتبنى وجهة النظر الرسمية يقوم هو الآخر بدور مهم حيث يمهد ويبرر كل ما تقوم به واشنطن بعد أحداث أيلول ضارباً عرض الحائط بكل ما يتعلق بالمهنية وادعاءات الموضوعية، وسوى ذلك مما دأب الإعلام الغربي على التغني به، الآلاف الستة من الأطفال العراقيين الذين كانوا يموتون شهرياً هم ضعف عدد الضحايا الذين قُتلوا في تفجيرات نيويورك، لكن الإعلام الغربي والأمريكي يرى قتلى نيويورك بشراً بينما الأطفال العراقيون «ليسوا بشراً»، وقتل النساء والأطفال والرجال في سورية من قبل الإرهابيين المصنعين في أمريكا والسعودية وتركيا «مباح» لدى صناع القرار الأمريكان، وما يحدث في ليبيا من حرق الزرع والضرع والحجر أمر داخلي و«الحرب بين الإخوة مجرد نزهة»، أما اليمن فقد دمرته طائرات التحالف الأمريكي- السعودي.
لقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بحصار العراق 12 عاماً، ورغم أن الحقائق والأرقام تتحدث عن نفسها فإنها غير منشورة ومسلط عليها الضوء بما فيه الكفاية، فبحسب تقارير اليونسيف هناك يموت ستة آلاف طفل عراقي كل شهر بسبب الحصار الذي قامت به أمريكا وحلفاؤها ضد العراق قبل شنها الحرب عليه عام 2003، وكان هدف أمريكا وحلفائها الغربيين من وراء الحصار إيجاد نظام حليف لها يسهل لها أهدافها في المنطقة ويضمن ديمومة تصدير النفط بالأسعار المطلوبة ووفق ما تراه عواصم الغرب، وفي الوقت نفسه القضاء على أي مصادر تهديد لـ«إسرائيل» حتى لو كانت لفظية.
إن سياسة التمييز العنصري التي اتبعتها أمريكا ليست ضد الشعوب العربية فقط، يدل على ذلك ما حصل للهنود الحمر «شعب أمريكا الأصيل» قبل اكتشاف القارة الأمريكية، وذلك لتسهيل حياة المهاجرين القادمين من خارج القارة، كما تعرض الشعب الأسترالي للإبادة الجماعية والتمييز العنصري من قبل حكامه المرتبطين بالعنصرية الأمريكية، فقد تعرض شعب (الأيوريجينال) في أستراليا إلى القتل والتشريد والتجويع وهو الشعب الأسترالي الأصيل ذو التاريخ القديم صاحب الحضارة الزاهرة، هذا الشعب (الأيوريجينال) يرى الآن ما يقع في أكثر من مكان في العالم عند الشعوب الأصيلة التي لا تزال تقاوم المحتلين أو القوى التي تريد أن تستأصلها، ويرسم صورة متناقضة لأستراليا التي تعد من أكثر بلدان العالم المتقدم حرية وريادة في العديد من المحاولات الخاصة بحقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تحتوي على صفحات لا تزال تنطق بالعنصرية البغيضة.
وأخيراً، فإن الطغات اعتمدوا جانب الإمبريالية الجديدة الناعمة والخشنة للتآمر على شعوب العالم، بشعارات العولمة والشرق أوسطية، فأصبح المواطن الغربي ينام على وهم «الأفضلية والتفوق القيمي» والأوهام التي تصنع له عن نزعة الغرب الإنسانية نحو تصدير وتعزيز قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في العالم، لكنه لا يعلم أن هناك جانباً آخر للغرب موجود في الشوارع الخلفية لآلام العالم الثالث، لا يراه الفرد الغربي العادي لأنه يلقن دروس الأفضلية والتفوق عبر التيار الرئيس الجارف للإعلام النظري بعيداً عن تلك الآلام.
*  كاتب من العراق

print

مقالات ذات صله