آخر تحديث: 2018-05-23 15:44:57

عاجل

محاولة أمريكية لتوريط تركيا أكثر في الميدان السوري

د. إبراهيم علوش:

توقيت إعلان ناطق رسمي باسم قوات «التحالف» عن نية الولايات المتحدة تأسيس مايسمى «قوة أمنية حدودية» قد يصل قوامها إلى ثلاثين ألفاً، بالتعاون مع مايسمى «قوات سورية الديموقراطية»، على أن يتم نشر تلك القوة على الحدود الشمالية لسورية مع تركيا، والحدود الجنوبية الشرقية مع العراق، وعلى طول خطوط التماس شرق الفرات، بحسب العقيد توماس فيل، مدير العلاقات العامة في قوات «التحالف» الذي أشهر هذا الخبر يوم 13 كانون الثاني الجاري، لا يمكن عدّه من قبيل المصادفة بينما يتقدم الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة في قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي الشرقي، وريف حلب الجنوبي، وريف حماة الشمالي، بالرغم من الهجمات المسعورة التي تطلقها تشكيلة من العصابات الإرهابية المدعومة تركياً، واحتجاجات تركيا لروسيا وإيران، وتهديدها بإفشال المسار السياسي عبر «سوتشي» و«أستانا».
قد يبدو للوهلة الأولى أن مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها تكمن في ترك التناقضات تتصاعد بين تركيا من جهة، وسورية وحلفائها من جهة أخرى، على خلفية الحملة ضد الجماعات الإرهابية والتكفيرية في ريف إدلب وجواره، وأن ذلك يقتضي تظاهر الولايات المتحدة وحلفائها بالوقوف «على الحياد»، لا الإعلان عن تشكيل «قوة أمنية حدودية»، في مثل هذه اللحظة بالذات، من عشرات الآلاف قوامها الأساس قوات كردية مدعومة من واشنطن تعدها أنقرة خطراً وجودياً…
لذلك جاء الإعلان الأمريكي، الذي بدا إعلاناً عن تشكيل «إقطاعية أمريكية في سورية»، هدفها «الانفلات» عن سيطرة الحكومة المركزية في دمشق، بدعمٍ من عشر قواعد عسكرية أمريكية وثلاثة آلاف جندي أمريكي محتل في سورية، «إقطاعية» تعدها أنقرة في الآن عينه «قاعدة خلفية» لـ «حزب العمال الكردستاني» وما يمثله من مشروع انفصالي بالنسبة للأتراك، كأنه «فشكة» أطلقتها واشنطن عن طريق الحمق على قدمها بخلقها عدواً مشتركاً لسورية وتركيا في اللحظة التي تتصاعد فيها حدة التناقضات بينهما، مفرّطةً، بمثل هذا العمل، بفرصة ثمينة لحل عقد ثلاثية «أستانا» التي حجّمت دور الولايات المتحدة وحلفائها في الميدان السوري استراتيجياً، وهو ما كان قد دفع بروسيا خلال الأسبوع الفائت للعمل على تبريد التناقضات مع تركيا (ومن ذلك تصريح الرئيس بوتين أن تركيا بريئة من الهجمات على قاعدتي حميميم وطرطوس)، من دون أن يؤثر ذلك بالطبع في وتيرة اندفاعة الجيش العربي السوري في الميدان الإدلبي وجواره، أو في شطب من يستهدفون القاعدتين الروسيتين وهو ما أعلنت عنه وزارة الدفاع الروسية رسمياً في 12 كانون الثاني الجاري.
لكن الرعونة الأمريكية قد لا تكون التفسير الوحيد لخطوة الإعلان عن تأسيس مثل هذه «القوة الحدودية»، أو «الإقطاعية الكردية» بالأحرى، فالأمريكيون لاشك في أنهم توتروا من وتيرة تقدم الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة في ريف إدلب، ومن الانهيارات المتلاحقة للعصابات الإرهابية التكفيرية التي لطالما عملت على تقديم نفسها كفزاعة أو كـ «بعبع» مخيف بقدرات «غير بشرية»، ولا شك في أن الأمريكيين، إذ رأوا اكتساح تلك العصابات المدعومة تركياً، شعروا باقتراب «الموس» من ذقونهم وأدركوا أن ما يتبقى بعد الانتهاء من معركة إدلب هو ما يسمونه «شرق الفرات» وما يسميه البعض مناطق «الإدارة الذاتية» في شمال سورية، وكلها أجزاء لا تتجزأ من الجمهورية العربية السورية، فسارعوا تحت وطأة ذلك الذعر بالذات لإطلاق إعلان هو أقرب لإشهار «محمية أمريكية» من المؤكد أن مصيرها لن يكون بأفضل من مصير غيرها من «المحميات» التي دعمتها القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية على مدى الأرض السورية.
من ناحية أخرى، لعل الأمريكيين وجدوا أن المخرج من إطباق الطوق السوري على رقبة جماعتهم هو القيام بخطوة تستفز تركيا للتورط بدرجة أكبر في سورية، وتدفعها لتجاوز عتبة التردد في زج قواتها بكثافة في الميدان، وليس هنالك ما يستفز أنقرة طبعاً أكثر من اللعب على الوتر الكردي الذي ما برح يشكل نقطة تناقض مستعصية بين واشنطن وأنقرة أصلاً، ولاسيما مع اعتماد واشنطن لما يسمى «قوات سورية الديموقراطية» وكيلاً غير حصري لنفوذها في سورية، بعد تكسير الكثير من الأدوات الأمريكية الأخرى. وقد جاء رد فعل أردوغان سريعاً بالتهديد بتدخل تركي مباشر ضد «قوات سورية الديموقراطية»، «خلال حوالي أسبوع»، في منبج وفي عفرين، وإذا كانت ذريعة ما يسمى «عملية درع الفرات» للدخول إلى سورية هي «داعش»، فإن الذريعة هذه المرة هي «قسد»، والدعم الأمريكي لها، وهو ما يريده الأمريكيون تماماً، لأنه إذا وقع سيخلط الأوراق شمال سورية، ويدفع تركيا وسورية وحلفاءها للتصادم، ما يخفف الضغط على أدوات الولايات المتحدة في سورية. وهي مقامرة طبعاً، نموذجية بالنسبة لطريقة التفكير الأمريكية، ولو كان ثمنها توتير العلاقات الأمريكية-التركية مما سوف تستفيد منه روسيا وإيران مباشرة، ولكن في المقابل سوف تصبح «المحمية الأمريكية» في سورية أداة ابتزاز أمريكية لتركيا ما دامت الأخيرة تحاول أن تخرج عن طوع السيد الأمريكي بين الفترة والأخرى لتتابع أجندتها الخاصة.
في الواقع، لا يمثل الإعلان الأمريكي عن تشكيل ميليشيا باسم «قوة حدودية سورية» إلا محاولة تكريس لأمر واقع بات الأمريكيون يرونه مهدداً، ومحاولة لـ «فرض حالة فصل» بين سورية والعراق، لكن مثل تلك القوة لن تكون نداً للجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة بجميع الأحوال، ولن تتمكن من الحفاظ على وجودها إلا بمقدار ما تتورط الولايات المتحدة مباشرة في أتون الميدان السوري، وهو الأمر الذي لن يستطيع حلفاء الولايات المتحدة في سورية أن يراهنوا عليه كثيراً كما يعرفون من التجربة، تجربتهم وتجربة غيرهم. كذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تحاول أن تحسب خطواتها في سورية جيداً، محاولةً ما أمكن أن تخوض معاركها عبر وكلاء محليين سوريين وغير سوريين («الحزب الإسلامي التركستاني» أنموذجاً)، لأنها تعرف أن دخول الحمام ليس مثل الخروج منه، ولأنها تعرف أن العنتريات من بعيد ومحاولة مد النفوذ خارج حدود الدولة ليست مثل الاستعداد لبذل الدم والأرواح رخيصةً دفاعاً عن الوطن على طريقة الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة. كما أن المشهد العام لميزان القوى في الميدان السوري الذي ترجح فيه كفة سورية وحلفائها وتهيمن على زمام المبادرة وتمضي بثبات على طريق استرجاع كل قطعة من الأرض السورية إلى حضن الدولة المركزية، والتي لا تبقى إلا إذا ظلت مركزية، يدلل على أن إعلان واشنطن الأخير، لو تمكنت من تنفيذه حقاً، لا يعدو عن كونه حركة اعتراضية، أقرب لأن تكون استعراضية، لا يمكن أن تمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الأحداث والوقائع الميدانية على الأرض.
* كاتب من الأردن

print

مقالات ذات صله