آخر تحديث: 2018-05-27 22:22:18

عاجل

في الزمن الأمريكي البشع.. مدارس أمريكية لتعليم فنون التعذيب

د. رحيم هادي الشمخي:

في زمن «الديمقراطية» الأمريكية المزعومة التي تدّعي الولايات المتحدة الأمريكية نشرها بعدما يسمى «الربيع العربي» وخاصة بعد احتلال العراق والعدوان الإرهابي على سورية وتدمير ليبيا الدولة وحرق الزرع والضرع والحجر في اليمن، وما يجري الآن في السودان والصومال، يكشر الوجه الأمريكي الوحشي عن أنيابه لتدمير حضارات الشعوب المحبة للحرية والسلام ونهب خيراتها وثرواتها تحت مسميات الديمقراطية والحرية.
ومن يتابع تاريخ أمريكا المشبع بالقتل والجريمة والفساد يجد المفارقات الغريبة والعجيبة في السياسة والاقتصاد والحروب العسكرية، وإنشاء المدارس التي لم تعد تصلح للعلم والعلماء والتفوق العلمي، بل لتلقين الجيش الأمريكي كيفية تعذيب المعتقلين وانتزاع الاعترافات منهم، وقهر المعتقلين والنص صراحة على الاغتصاب الجنسي، فبعد فضائح سجن أبو غريب وغوانتانامو، أمريكا تلجأ لتعذيب المعتقلين في سجون طائرة.
(نحن لا نمارس التعذيب) مقولات تتردد في أي كلمة قالها الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن ومن بعده قالها الرئيس السابق أوباما، أما الرئيس ترامب فقد أكد أن (أخلاقية أمريكا لا تقبل الإساءة للشعوب)، وعلينا أن نذكر أن أحداث سجن أبو غريب في العراق كانت أكبر جريمة ترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لما جرى فيه من تعذيب وقتل وإبادة للإنسان العراقي، إن الأمريكيين الذين يتهمون اليوم الإدارة الأمريكية بتعذيب المواطنين سواء الأمريكيين الذين بلغ عددهم في سجون الولايات المتحدة الأمريكية مليونين ونصف المليون نسمة أو الأجانب في الدول التي وضعت أمريكا فيها قدمها مثل أفغانستان والعراق، وكذلك ما تم الكشف عنه مؤخراً في سجون سرية للولايات المتحدة الأمريكية في العديد من الدول لممارسة التعذيب.
كل ما يحدث رغم أن أمريكا لديها أقدم دستور مكتوب في العالم، حيث صمم المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية دستوراً فريداً من نوعه في مسار الكفاح المتواصل من أجل حرية الإنسان، ومنذ نشأة الدولة الأمريكية يعد الدستور الكتاب المقدس لدى أغلبية الأمريكيين، وينص التعديل الخامس والسادس، وفق موقع لتقرير واشنطن من وثيقة الحقوق التي تعدّ جزءاً أساسياً من الدستور الأمريكية، على (عدم احتجاز أي شخص للاستجواب حول أي جريمة كبرى أو صغرى إلا بتقديم أدلة أو توجيه اتهام للشخص من قبل هيئة المحلفين العليا باستثناء القضايا التي تحدث في الأراضي التي تديرها القوات المسلحة الأمريكية في أوقات الحروب، كما أن للمتهم الحق في استعجال الإجراءات القانونية وعلنية المحاكمة التي تجريها هيئة المحلفين والتي لابدّ أن تكون غير متميزة، وكذلك له الحق في توكيل محام عنه للدفاع عن نفسه).
لكن لكل دستور استثناءاته، فالخطر الذي يفرضه التعديل الخامس لا ينطبق على أجانب تم أسرهم في الخارج واحتجزوا في (غوانتانامو)، حيث إنه وفقاً لإدارة الرئيس ترامب فإن أمريكا لا تتمتع بالسيادة على (غوانتانامو).
بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك إجماع دولي وفقاً للموقع نفسه على شبكة الإنترنت، أدى إلى حظر التعذيب وسوء المعاملة في كل الأوقات، كما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه (يحق لكل شخص عدم التعرض للتعذيب وسوء المعاملة أو إلى أي نوع من أنواع الإكراه).
إن مدارس التعذيب الأمريكية، كما يعتقد الكثيرون ليست استثناء أو حادثاً عرضياً أو أعمالاً فردية كما حدث في أبو غريب وأفغانستان، وأعلنته الإدارة الأمريكية، ولكن التاريخ يكشف أن التعذيب الأمريكي هو نتيجة (احتراف ومهنة)، حيث يتم تدريب الضباط في مدارس من خلال كتب واختصاصيين اجتماعيين على كيفية إذلال المعتقل وامتهان كرامته لانتزاع ما يريدون منه من أقوال واعترافات، التعذيب الأمريكي للسجناء ليس بجديد، وذلك على الرغم من النقد الدائم للرئيس بوش الابن وإدارته السابقة، ففي عام 1946 تأسست المدرسة العسكرية الأمريكية في (بنما) وكان الهدف منها تدريب الشرطة والضباط ضد الأنظمة الشيوعية، وحركات التحرير، وكانت تلك المدرسة أول من أصدر كتباً توصي باستخدام أساليب التعذيب، وكان الإعدام من دون محاكمة، ثم انتقلت هذه المدرسة عام 1984 إلى «نورث بيسينغ» حيث كانت تلك المدرسة قد تفوقت في تعليم التعذيب في السبعينيات، عندما كانت أمريكا أيضاً تدرب ضباطاً يعملون ضد الشيوعية في أمريكا اللاتينية، ومنذ تأسيس المدرسة العسكرية الأمريكية عام 1946 فإنها قد خرّجت حوالي (60) ألف شخص من اثنتي عشرة دولة، وأصبح عدد منهم فيما بعد رؤساء دول ومنهم بوش الابن وترامب بعد أن كانوا جلادين مشهورين، وفي عام 1963 تمت طباعة أشهر كتب التعذيب تحت اسم (كوبراك) لتعليم فنون التعذيب، والكتاب الشهير يبدأ من [حتى تكون محققاً جيداً، ثم يشرح الأساليب التي يجب على المحقق اتباعها لانتزاع المعلومات، وبه رسوم مراجعات للتعذيب وأساليب مختلفة، كما يذكر الكتاب أيضاً التأثير الذي يتركه الأسير أو المعتقل ويذكر الكتاب أن أفضل وسائل التعذيب هي أن يقوم معتقل بتعذيب آخر أو تعذيب نفسه، وهو المنهج الذي تم تدريسه لضباط الاستخبارات والسجون ومكافحة التمرد والثورات في أمريكا، وفي عام 1983 طورت المخابرات الأمريكية (CIA) منهج التعذيب إلى الأسوأ، حيث أصدرت كتاباً آخر بعنوان (التدريب لاستغلال القدرات البشرية) والمنهج الذي تم تطبيقه في سجن (أبو غريب) في العراق هو منهج هذا الكتاب نفسه، وعندما علم الشعب الأمريكي بمثل هذه الكتب قامت الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن بسحب تلك الكتب والتي كانت تُباع في المكتبات في عهد (ريغان) أثناء الحرب الباردة، ومن أشهر فنون تلك الكتب في التعذيب التي وردت في تلك الكتب والتي تم تدريسها للأمريكيين: كسر الأضواء الكيماوية، وسكب السائل على المعتقلين وسكب المياه الباردة والساخنة عليهم وهم عراة، وإجبارهم على تمثيل مشاهد جنسية ضد بعضهم البعض، وتعريتهم وإجبارهم على النوم فوق بعضهم البعض، وإبقاؤهم عراة عدة أيام، أو ارتداؤهم ملابس نسائية وحرمانهم من النوم واستخدام الكلاب المدربة لترويع المعتقلين، وقال الكاتب الأمريكي (سيمور هيرش) في تقرير له نشر في الأول من أيار عام 2017 أن هناك أنواعاً جديدة من التعذيب، منها سكب سوائل فوسفورية على المحتجزين وضربهم بالكراسي، والسماح للحراب بالضغط على جراحهم الجديدة، وضربهم في جدران السجن، وكذلك استخدام زجاجات مكسورة من أعلى، وإجبار السجين على الجلوس عليها.
وفي تقرير لمنظمة (هيومان رايتس) ذكرت أن أسلوب الولايات المتحدة الأمريكية يجردها من أي حق في أن تعدّ نفسها وصية على حقوق الإنسان في دول أخرى، وأن انتهاكاتها لحقوق الإنسان شجعت بعض الدول الأخرى على تبرير سلوكياتها، كما طالبت (هيومان رايتس ووتش) بمحاكمة (ترامب) لكونه قد تجاوز على حقوق الشعب الفلسطيني بإعلانه القدس «عاصمة» للكيان الصهيوني، ووصفته بالمسؤول عن قتل الفلسطينيين يومياً في الأرض المحتلة.
والغريب أنه بعد انكشاف أمر أكبر دولة مفترض أنها ديمقراطية في العالم، نجدها قد ابتكرت ما بعد «الربيع العربي» وسائل جديدة للتعذيب لضمان عدم وقوعها تحت المسؤولية، وكذلك في سجون سرية، ومنها استخدام الطائرات المحلقة في الجو كمراكز تحقيق، وهذا ما استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية للتجسس على تحركات الجيش العربي السوري أثناء تصديه لـ«داعش» و«جبهة النصرة» والإرهاب العالمي في أكبر معركة عرفها التاريخ العالمي ضد منابع الإرهاب.
وقد كشفت (النيوزويك) الأمريكية ذلك، وقالت إن وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) استخدمت طائرات بوينغ (737) في استجواب من تسميهم واشنطن بالإرهابيين المشتبه فيهم كجزء من نظام سجن الأشباح العالمي، وتقارير أخرى قالت، إنها طائرة نفاثة تجارية، كما تم استئجار المرتزقة والتعاقد مع شركات أمنية خاصة من خارج الجيش الأمريكي.
أخيراً فإن التعذيب في السجون الأمريكية بالرغم من عدم وجود مادة تقره في الدستور اليوم إلا أنه أصبح استراتيجية بل قانوناً يطبق على كل من يقع في أيدي أي قوات أمريكية سواء في الداخل على الأراضي الأمريكية، أو في الخارج، في الدول التي تزعم الولايات المتحدة فيها بأنها تطبق الديمقراطية باحتلالها لها وبفتح سجونها وملئها بمعتقلين لتعذيبهم وإذلالهم.
إنها ديمقراطية أمريكا في زمنها البشع لاحتلال شعوب العالم وهي ديمقراطية الرعب والموت في القرن الحادي والعشرين.

  •  كاتب عراقي
print

مقالات ذات صله