آخر تحديث: 2018-05-27 22:22:18

عاجل

التخبط والعدوانية سمة العام الأول من ولاية ترامب

محمد إسماعيل حديد: 

في حفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، ألقى دونالد ترامب عشية 20 كانون الثاني 2017 خطاباً وصفه المراقبون بالعدواني الذي يكرس الشعبوية، وعدّوه إعلان حرب على الداخل قبل الخارج، فقد نزع ترامب الرداء المخملي عن السياسة الأمريكية، فانكشفت سوءاتها، وبرزت عيوبها تجسدها الانقسامات العنصرية والطبقية، وظهر بعض من نقائصها المتأصلة في نظامها الإمبريالي، كما توجه ترامب بالنقد لكل ما هو قائم من مؤسسات ونظم ونُخب، مستنكراً انتشار الفقر والبطالة والجريمة والمخدرات، ما عكس تشكيكاً في مجمل التجربة الديمقراطية الأمريكية وأنظمتها السياسية، ووعد ترامب بأن كل شيء سيتغير.
انقضى العام الأول وكانت سمته التخبط والفضائح والجدل والتصريحات المدوية التي في مجملها غيرت الأساليب التقليدية لتعامل الرؤساء الأمريكيين مع شعوبهم، وانعكست تلك الأساليب على الرأي العام الأمريكي والعالمي، ولاسيما بعد أن رأى القاصي والداني العيوب التي يغص بها النظام الديمقراطي بنسخته الأمريكية.
ترامب شخصية مثيرة للجدل
يصف ترامب نفسه بـ «العبقرية والتوازن»، ولم تدرج العادة بين رؤساء الدول أن يقدِّم أحدهم نفسه على تلك الشاكلة، إلا من كان يحمل في تركيبته جينات مغايرة لهذا التوصيف، وترامب لم يكتفِ بمديح نفسه والإطراء عليها، بل تعدى ذلك للحط من قدر الآخرين، ولاسيما شعوب الدول الأفريقية والأمريكية الجنوبية، فوصفها بـ «المراحيض العفنة»، وتهجم على المهاجرين من أفريقيا وهاييتي والسلفادور والمكسيك فقال: إن هؤلاء المهاجرين قادمون من «دول قذرة»، ولم ينجُ من تهكماته واتهاماته وتهديداته خصومه السياسيون.
ويشير المقربون من ترامب لأسلوبه الفظ في التعامل مع الآخرين، ورفضه الاعتذار عن الإساءات التي يلحقها بهم، كما يراقب الكثيرون اهتمامه الزائد بالتغريد على صفحته الخاصة، وتكريسه حيزاً لا بأس به من وقته لينشر في الصباح الباكر أفكاره التي يستلهمها ليلاً، والتي تنتظرها كبريات الصحف الأمريكية لتجعل منها المادة الصحفية الرئيسة لذلك اليوم.
يضاف إلى ذلك أن شخصية ترامب تميل للاستعراض، خاصة عند اتخاذ قرارات سياسية من العيار الثقيل على غرار اعتراضه على ملف الاتفاق النووي مع إيران، وقراره حول القدس.
ويشير الخبير السابق في شؤون الشرق الأوسط أرون ديفيد ميلر إلى تخبط ترامب وخروجه عن التصرفات المعهودة للرؤساء، فيؤكد على وجود فجوة فاضحة في تصريحاته التي تتعارض مع الحقائق القائمة على الأرض.
ويتابع ميلر قوله: «يتساءل حلفاؤنا وخصومنا إلى أي درجة يمكن الوثوق بالرئيس، وما مدى مصداقيته؟ وهل يعني ما يقول؟ أو يقول ما يعني؟»، وتأتي الإجابة عن هذه الأسئلة بانعدام الثقة بأقوال الرئيس المتقلب، والتشكيك في مصداقيته، والجهل بما يقصد، لأنه في كثير من الأحيان يقول مالا يعني، ويعني غير ما يقول، وهذا دفع الكثيرين من معاونيه ومرؤوسيه للشك في أهليته القيادية، وكفاءته لشغل منصب رئيس دولة عظمى، وطالبوا بإخضاعه لفحوص نفسية للتأكد من قدرته على استكمال ولايته كرئيس للبلاد.
التخبط يلاحق ترامب
لم تمر الولايات المتحدة عبر تاريخها السياسي بأحداث مشابهة لما شهدته خلال العام المنصرم من ولاية ترامب، فقد غدا مألوفاً للمتابع أن يسمع في كل يوم خبر استقالة أو إقالة لمسؤول كبير في دوائر الدولة، هذا فضلاً عن اشتعال الصراعات الداخلية على النفوذ، واللجوء لحبك المؤامرات بين أقطاب الحكم، وتسريب أسرار الدولة لتشهير البعض بالبعض الآخر، عدا عن رفض بعض المؤسسات الرئيسة تنفيذ أوامر رئيس الدولة علناً، كالسلطة القضائية ودوائر الهجرة والجوازات وبعض الأجهزة الأمنية.
لقد أشعلت الإقالة المبكرة للجنرال مايكل فلين مستشار الأمن القومي الأمريكي معركة تصفية حسابات، كما كانت إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي على خلفية التحقيقات الروسية، صارخة ومدوية، وحسب المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس ترامب «ستيف بانون» فإن إقالة مدير الـ «إف.بي. آي» هي الخطأ الفادح الذي ارتكبه الرئيس الأمريكي الذي أسفر عن تشكيل لجنة تحقيق حول ما أشيع بأنه «التدخل الروسي في الانتخابات»، وتعيين روبرت مولر (الصديق الحميم لكومي) محققاً خاصاً في الملف الروسي.
وفي أواخر تموز الفائت عُيِّن أنطوني سكاراموتشي خبير المال النيويوركي الثري مديراً للإعلام في البيت الأبيض، ولم يبق المذكور في منصبه إلا عشرة أيام فقط انتهت به إلى الإقالة!!.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، أعلنت إدارة ترامب عن استراتيجية جديدة تجاه القضايا الساخنة في العالم، منها قضية كوريا الديمقراطية وإيران وسورية والخليج والشرق الأوسط بشكل عام، وأول ما ترمي إليه تلك الاستراتيجية هو استعادة الوزن السياسي الأمريكي على الساحة الدولية، وطي مرحلة الترقب الاستراتيجي التي اعتمدتها الإدارات السابقة تجاه أعداء الولايات المتحدة.
تخبط ترامب في الداخل
لقد تخلل العام الأول لولاية ترامب الكثير من الهفوات والسقطات والأزمات، وقد اجتهدت أجهزة الإعلام والمؤسسات الدبلوماسية لتبريرها والالتفاف على مقاصدها، لرفع الحرج عن رئيس دولة عظمى يفكر بطريقة تتعارض – في كثير من الأحيان – مع منطق السياسة وروح المسؤولية التي يتحملها الرؤساء، وفي السطور التالية بعض تلك الهفوات والسقطات.
كان ترامب طوال حملته الانتخابية يؤكد عزمه على إلغاء قانون الرعاية الصحية الصادر عام 2010، عن الرئيس السابق أوباما فعُرف باسمه (أوباماكير)، ووعد باستبداله بما هو أفضل، لكنه أخفق في إقناع الكونغرس لإلغائه أو حتى تعديله، لذا مازال القانون (أوباماكير) معمولاً به طوال العام الفائت وحتى اليوم.
وفي اليوم التالي لمراسم تنصيب ترامب لم يتمكن المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر من إخفاء حرجه أمام الصحفيين، فقد أكد في اليوم السابق – بناء على طلب الرئيس – أن عدد الذين حضروا حفل تنصيب ترامب 2017 أكبر من الذين حضروا حفل تنصيب أوباما عام 2009. وبعد مقارنة الصور الجوية للحفلين تبين نقيض ما أدلى به المتحدث الرسمي، ما كشف بعد يوم واحد من تولي ترامب مقاليد الحكم، تعارض الواقع القائم مع الأقوال في هذه الإدارة المأزومة.
وبعد أسبوع من توليه المنصب، وقَّع الرئيس ترامب مرسوماً يقضي بمنع دخول رعايا سبع دول إسلامية هي العراق وسورية وإيران وليبيا والصومال والسودان واليمن باستثناء حملة التأشيرات الدبلوماسية والعاملين في المؤسسات الدولية من دخول الأراضي الأمريكية مدة 3 أشهر، وسادت الفوضى في المطارات بسبب احتجاز بعض الركاب من رعايا تلك الدول من دون أن يعرف عناصر الأمن الحدودي كيفية تطبيق هذا القرار، وخرجت تظاهرات في جميع أرجاء البلاد للتنديد بهذا القرار العنصري المتعلق بالمسلمين فقط.
وبسبب الغموض الذي اكتنف القرار، أوقفت المحاكم الأمريكية تنفيذه، لكن النسخة الثانية منه صدرت في شهر آذار وهي تشطب الرعايا العراقيين من قائمة الدول المحظورة، ثم صدرت نسخة ثالثة في أيلول لتضيف رعايا كوريا الديمقراطية وأعضاء في الحكومة الفنزويلية لقائمة الممنوعين من دخول البلاد، وكان مقرراً أن يبدأ تنفيذ القرار في منتصف تشرين الأول الفائت، لكن القضاء الأمريكي جمده، وفي 24 تشرين الأول الماضي أعلن البيت الأبيض عن قبول اللاجئين باستثناء القادمين من 11 دولة تعدّ «شديدة الخطورة»، ومعظمها من الدول الإسلامية، يضاف لذلك المزيد من السقطات المتعلقة بالرياضة والنظام الضريبي ووكالة ناسا الفضائية وغيرها..
تخبط ترامب في الخارج
لم تتوقف طوال العام المنصرم عمليات الدعم والمساندة الأمريكية للعصابات الإرهابية المسلحة التي شكلها أوباما لتعمل على الأرض السورية، ومع التقدم السريع للجيش العربي السوري في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش» الإرهابي، ارتفعت وتيرة الدعم الأمريكي لتصل إلى المشاركة المباشرة في القتال، سواء عن طريق الإمداد الجوي لـ«داعش» بالسلاح، أو بتوجيه ضربات لبعض المواقع العسكرية السورية لوضع العراقيل أمام الزحف نحو معاقل الإرهاب.
في 6 نيسان 2017 نفذت البحرية الأمريكية عدواناً على قاعدة الشعيرات في محافظة حمص بناء على أوامر ترامب وخدمة لتنظيم «داعش» الإرهابي الذي تعرض لهزائم كبيرة في البادية السورية، والذريعة أن موقف ترامب من القيادة السورية قد تغير!!. يضاف لهذا العدوان عشرات الاعتداءات الجوية على المدنيين السوريين في الشمال السوري، وقتل آلاف الضحايا الأبرياء بزعم مكافحة الإرهاب.
وفي الأول من حزيران 2017 أقدم ترامب على خطوة استهجنها العالم على اتساعه، حين أعلن عن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس المتعلق بالتغير المناخي، وأراد ترامب بهذا الانسحاب التأكيد على شعاره الشعبوي «أمريكا أولاً»، لأنه نظر إلى اتفاق باريس نظرة المرتاب، فهو يعتقد أن الاتفاق سيئ بالنسبة للعمال الأمريكيين وللاقتصاد في بلاده، ويمنح الدول الأخرى أفضلية غير عادلة.
وفي أول خطاب له أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة 19 أيلول الماضي، أثار الرئيس الأمريكي قلق العديد من دول العالم بعد تهديده الصريح بتدمير كوريا الديمقراطية في حال تهديدها لواشنطن أو أي من حلفائها، عاداً أن كيم جونغ يقوم بمهمة انتحارية عبر برنامجه النووي والصاروخي البالستي.
ورداً على قرار اليونيسكو في 6 أيار 2017 الذي عدّ مدينة القدس مدينة عربية إسلامية لا علاقة لليهود بها، قامت الولايات المتحدة في 12 تشرين الثاني الفائت بالانسحاب من اليونيسكو، والذريعة التي ساقتها لتبرير انسحابها، هي حاجة المنظمة لإصلاحات جذرية، أما الغاية الدفينة فهي ضرورة حفاظ المنظمة على انحيازها للكيان الصهيوني، وقد أشاد كيان الاحتلال بهذا القرار، وأعلن نتنياهو بعد ساعات أن «إسرائيل» ستنسحب بدورها من اليونيسكو.
في 13 تشرين الثاني اتّهم ترامب إيران بأنها لا تلتزم بالاتفاق النووي، عادّاً أنه «أحد أسوأ الاتفاقيات» في تاريخ الولايات المتحدة، وفوّض الرئيس الأمريكي وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني باعتباره -على حد زعمه- «داعماً للإرهاب».
وفي تصرف غريب أقدم عليه ترامب تجاه باكستان ففي أولى مكالماته مع رئيس وزرائها نواز شريف بعد انتخابه، قال ترامب عن شريف أنه «رجل رائع»، وطلب منه أن ينقل تحياته لشعب باكستان الرائع، لكن بعد حين وبلا مقدمات تحول ترامب لتهديد باكستان عبر حسابه على التويتر قائلاً: إن باكستان لم تعطنا شيئاً سوى الأكاذيب والخداع، واتهمها بتوفير ملاذ آمن للإرهابيين الناشطين في باكستان، وقد أثارت هذه الإهانة غضب إسلام أباد التي توجهت نحو الصين، وسرعان ما اتفقت الدولتان على اعتماد العملة الصينية، في التبادلات التجارية بين البلدين، بدلاً من الدولار الأمريكي.
ختاماً، يتوقع الكثيرون من المحللين السياسيين أن ما اتسمت به إدارة ترامب من تخبط وعدوانية واستهتار خلال عامها الأول، سيؤثر سلباً في ثقة الجمهور الأمريكي بشخص الرئيس، ويضعه أمام احتمالين فقط: إما أن يستقيل أو يُقال قبل نهاية ولايته لعدم الأهلية، وإما (في أحسن الأحوال) أن يكمل ولايته الأولى، لكنه لن يحظى بثقة الأمريكيين لانتخابه لولاية رئاسية ثانية، مهما بلغت درجة الدعم الذي يتلقاه من الكونغرس الأمريكي، الذي يهيمن عليه الجمهوريون.
* كاتب من فلسطين

print

مقالات ذات صله