آخر تحديث: 2018-02-19 20:43:39

عاجل

المعركة مع تجّار الدين هي معركة مع الناهب الدولي بالأساس

السيد شبل:

ألمانيا «الغربية» بالتعاون مع السعودية وبتخطيط من «السي آي إيه» مسؤولة عن تعويم جماعة الإخوان في الخمسينيات والستينيات، وتوفير مكان آمن لقادتها كلاجئين ونشطاء.. وحصل هذا مكايدة مع النظم الثورية العربية وخياراتها التحررية القومية وانفتاحها على المعسكر الاشتراكي بما فيه ألمانيا الشرقية وعلى رأسه موسكو، وخصومتها مع الملكيّات الرجعية.
ألمانيا الغربية استضافت في الخمسينيات سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، وتركت له المجال -عبر المال السعودي- لتأسيس مؤسسات دينية أهمها «التجمع الإسلامي في ألمانيا»، ولاتزال تلك المؤسسات نشطة إلى اليوم، وكان أحمد عبد العاطي- مدير مكتب المعزول محمد مرسي، عنصراً فاعلاً فيها قبل عودته إلى مصر، كذلك احتضنت ألمانيا الغربية علي غالب همّت رجل الأعمال السوري، وسعيد العطار القيادي الإخواني السوري، وأفسحت له مجالاً لنشاطه في مدينة آخن الألمانية (وأسس مسجداً سماه «بلال» يمارس فيه نشاطه إلى اليوم)، وهذه الجماعات كانت متورطة في دعم موجة الإرهاب الشهيرة التي وقعت في سورية في السبعينيات، وطالت مواطنين عاديين وحزبيين وإعلاميين وأفراد أمن وطلاب كليات عسكرية (مجزرة مدرسة الدفاع الجوية 1979) واغتالت ضباط جيش سوريين وروس أيضاً، وتبنّت خطاباً طائفياً صريحاً، وكانت عوناً في الداخل للعدو الصهيوني الذي يهاجم في لبنان.
المرشح الرئاسي في انتخابات 2012 في مصر عبد المنعم أبو الفتوح، في كتاب حسام تمام المهم «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية»، يتحدث عن نشأته السلفية المتزمّتة في جمعية أنصار السنة المحمدية (هي جمعية سلفية مُحتَضنة سعودياً منذ مؤسسها حامد الفقي)، ثم تأسيسها مع آخرين من الجماعة الإسلامية في مطلع السبعينيات في الجامعات -بضوء أخضر من نظام أنور السادات-، وكيف أن هذه الجماعة احتضنت الإخوان الخارجين من السجون أو العائدين من الخليج، ثم يتناول انتقاله للإخوان (كتنظيم) ومعه آخرون، مثل: «عصام العريان» و«حلمي الجزار» في النصف الثاني من السبعينيات، وتلطيفه لسلفيّته بتأثير من عمر التلمساني على عكس تيارين آخرين داخل الجماعة، واحد استمر على تسلّفه في سياق دعوي (مجموعة الاسكندرية/حزب النور فيما بعد)، والثاني استمر عليها في سياق العنف (مجموعة الصعيد/ إرهاب الثمانينيات والتسعينيات/حزب البناء والتنمية بعد كانون الثاني 2011).
في نقطة مهمة في الكتاب يشير أبو الفتوح عند استعراضه تاريخ الحركة الطلابية المصرية المتمسحة بالدين، إلى أنها استمدت زخمها أو ارتبطت بتيار طلابي «إسلامي» عالمي في الخارج كان محوره في «آخن» الألمانية، حيث انعقد فيها عام 1969 المؤتمر التأسيسي الأول لـ(رابطة الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية)، وقرّب هذا الاتحاد بين الحركة الإسلاموية في باكستان وأندونيسيا والعالم العربي وأوروبا!!، وتولت المنظمة طباعة كتب سيد قطب وعبد القادر عودة وحسن البنا وأبو الأعلى المودوي.
بمعنى إن ألمانيا الغربية المحسوبة تماماً على المعسكر الأمريكي في هذا الوقت لم يقتصر دورها على استيعاب الإخوان واحتضانهم، بل ساهمت في تأسيس شبكة عالمية للنشاط!.
هذا الدور الذي مارسته الـ«سي.آي.إيه» في ألمانيا الغربية تم توجيهه أيضاً ضد السوفييت عبر استثارة مسلمي الاتحاد ضد موسكو، واستغلت مناسبات كالحج لتنفيذ هذه المهمة، كما ورد كمعلومات في كتاب «مسجد في ميونخ»، مع تثبيت التحفّظ على كاتبه، حيث جاء فيه: (إن اثنين من مسلمي الاتحاد السوفييتي السابقين، تعاونا مع النازية، ثم صارا جزءاً من ألمانيا الغربية بعد هزيمة هتلر والتقسيم، وأخيراً أصبحا عميلين لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.. قامت الوكالة بإرسالهما إلى الحج عام 1954 مستهدفين الحجاج السوفييت لنشر الدعاية من خلالهما، وحين وصلا للكعبة وجّها اتهامات للحجاج السوفييت بأنهم غير مسلمين لأنهم يعملون في بلاد «الإلحاد»، وحدثت مشادة بينهم عند الحجر الأسود، فقامت الصحف الغربية بتصوير الحادث على أنه انتفاضة عفوية نتيجة اشمئزاز المسلمين من الاتحاد السوفييتي، وكان العنوان الذي تصدّر صحيفة نيويورك تايمز ومجلة التايم «اثنان من اللاجئين المسلمين يدسان أصبعهما في عين جالوت السوفييتي»!!).. وصياغة الخبر تكشف إلى أي حد يبادر البيت الأبيض لتوظيف الدين عندما يكون لهذا التوظيف ما يخدمه ضد أعدائه، نهج الولايات المتحدة هذا يمكن الاستدلال عليه أيضاً من السعي لتأسيس أحلاف إسلامية (حلف بغداد.. وغيره) في الخمسينيات والستينيات، ومن الدور التخريبي في أفغانستان في السبعينيات والثمانينيات، من واقعة التعاون الذي حصل في زمان رونالد ريغان مع البابا يوحنا بولس الثاني (بابا الكنيسة الكاثوليكية منذ خريف 1978 وحتى وفاته في نيسان 2005) ضد الكتلة الاشتراكية في شرق أوروبا، فلعب البابا دوراً بارزاً في إسقاط النظام الشيوعي في بلده بولندا، حينما دعم «ثورة سلمية» هناك، وتكشف المراسلات بين البابا وريغان كيف أن الفاتيكان دعم سياسة الولايات المتحدة في مقارعة الاتحاد السوفييتي، وفي 2004 منح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن البابا يوحنا وسام الحرية!، هذا الملف لا تمكن مغادرته من دون الإشارة إلى قيام الفاتيكان بإعلان فيديل كاسترو (خصم الولايات المتحدة) «مرتداً» في كانون الثاني 1962، والعمل على تلطيخ صورته، وإلى الدور الذي يقوم به في تحطيم سمعة كوريا الديمقراطية (الشمالية)، بالترويج مثلاً أنها أكثر الدول «اضطهاداً» للمسيحيين في العالم، لتأليب الرأي العام عليها، أو في بث دعايات انتقامية من سيرة أنور خوجة في ألبانيا.. إلخ.
* كاتب من مصر

print

مقالات ذات صله