آخر تحديث: 2018-02-19 20:43:39

عاجل

“يسبقني صوتي” لـ زينب حيدر.. لا تُكلّفُ عينيه إلا وسعهما لتخطّ كحل الرومانسية الباذخة

علي الرّاعي ـ تشرين أونلاين:

“في الغزل؛

لن أكلف عينيك إلا وسعها،

وغمزة

تُكحّلُ خطَّ الكحل”

على هذا الإيقاع من الرومانسية الباذخة؛ تُصيغُ الشاعرة زينب حيدر؛ مجموعتها الشعرية “يسبقني صوتي” الصادرة مؤخراً عن دار بعل، وهي من الحالات – ربما – النادرة في المشهد الشعري، أن تُشغل نصوص ديوان شعري بالكامل مثل هذه الرومانتيكية العالية، والحقيقة؛ إنّ هكذا ردّات فعل جمالية كثيراً ما تحدث في زمن الحروب، هنا ثمة مُفارقة بين قوتين: الأولى مُدعمة بكل أدوات الوحشية والخراب، والثانية، تستمدّ من ضعفها قوةً، هنا صراعٌ مرير بين الرقة والشراسة، أكثر ما يذهب صوب الحيرة، في وحشية ذات عمرٍ قصير مهما طغت واستبدت، وبين رومانتيكية تُعمّر وتمشي إيقاعها هدوءاً على البحر الطويل.

وإذا ما عُدنا للومضة الشعرية التي بدأنا المقال بها؛ نجد الشاعرة تنحتُ تراكيبها من مفردات تُساعدها في إنجاز نصها الرهيف: غزل، وسع العيون، الغمزة والكحل.. كلها تأخذ النص من يده في مناحي الحب، دون أن تقول ذلك صراحةً، غير أن التوليف الجديد كان أكثر غنى من القول المُباشر، وذلك بالاستخدام الجميل لمجاز الكلمات وإيحاءاتها، لاسيما في بساطة الاستخدام للغة الحنون، التي تجعل الحبّ رحيماً، وكذلك هذا الدمج بين الطبيعة ولحظة الشعر.

تبدأ زينب حيدر “مطولتها” الرومانسية التي تأتي على شكل قفزاتٍ قصيرة ضمن أثنتا عشرة متوالية؛ رومانسية تبدأ من عنوان المجموعة “يسبقني صوتي”، وصورة الغلاف المُرافقة، فقد اختارت حيدر لوحة تشكيلية للفنانة السورية المُغتربة لينا شديد، التي عُرف عنها هي الأخرى ميلها صوب الرومانتيكية في مختلف تنويعاتها التشكيلية، سواء في خيارتها اللونية، أو حتى في صياغاتها التكوينية وفي عمارة اللوحة، وذلك بمدّها هذه الألوان ذات البهاء في الأنوثة الشفيفة لاسيما في اشتغالها على مسألة الضوء في اللوحة التشكيلية، لتزيد في مسألة الشفافية التي توحي بالرقة العالية، وهنا في لوحة شديد على غلاف مجموعة “يسبقني صوتي” ثمة امرأة مُحاطة بالألوان يشفها ذلك الضوء، امرأة بشفيف الأزرق المائل للبنفسج، تتجه صوب غابة ملونة تتخللها الأضواء، امرأة وهي تُدير ظهرها؛ توحي بالبحث عن ضائعٍ ما. وما كان على زينب حيدر إلا أن تُصيغ تلك الحالة اللونية حروفاً وتراكيب شعرية في حالة انجدال وانسجام مُتناغم ما بين التشكيل والشعر.

“قل هذا

من فيض حُبي،

ولا تسل

من أين أتى

بياض النرجس”

في اللقطة الشعرية السابقة؛ فإنّ زينب حيدر ترسم، وما شكلته كان مشهداً وتصويراً، هنا ثمة “نرجس” مع كل ما يوحي به هذا الكائن النباتي من رقة وعمر قصير ونقاء بياضه اللوني على عروقه الخضراء، وكيف يُشكل أو يظهر مع رفقة أو بشكل مجموعة من الزهرات المُتعايشة، حتى كلمة النرجس ذاتها، وما توحي به في الذاكرة، أو ما تكمنه بداخلها من بهاء وشفافية ونعومة، ثم كلمة الفيض وما يكمن داخلها هي الأخرى من كرم واتساع ألوان ضوئية فياضة لا نعرف مصدرها، كل تلك المفردات تزيد من ألق التركيب الشعري وبهائه، وما يزيد في شفافية التركيب؛ إعادة صياغة المُتعارف عليه من تراكيب قديمة في نصوص تراثية غالباً، سواء من النصوص الدينية، أو حتى من مثيولوجيا مختلفة من تراث القول في المنطقة السورية، وإدخالها بسلاسة في النص الجديد دون تنافر.

“من قميص نبوءتي؛

ابتدئ الكلام،

واضرب بعصاي؛

ليحضر عشب قلبك”

ولأن القول الشعري بغالبيته؛ يذهب باتجاه الحياكة، تماماً كمن يحوك بسط وسجادات تزدهي بخيوطها الملونة لأجل تقديم حفاوة جمالية كاملة؛ فإن قاموس زينب حيدر سيكتظ بمفردات مثل: غيم، نسيم، ماء، ورد، نبيذ، نرجس، وذاكرة.. والكثير من تلك الكلمات التي تُخزّن في داخلها هذه الحميمية والدفء للمفردة، ذلك لأنّ شاغل المجموعة الشعرية هنا، وباعثها هو الحب الخالص، ومن هنا فإنّ خيارات الشاعرة من المفردات أشبه بمن يختار زهرات مُعينة لأجل “بوكيهات” ورود لمناسبات هي بمجملها لا تخلو من حميمية، وإن اختلفت غير أنها كلها مناسبات حبٍّ دافئ.

“على حبل الغسيل،

يتهادى النسيم مُداعباً حنايا الثوب،

ثم ينحشر في ظلال الصدر،

ويفك الآه عروة عروة”

print

مقالات ذات صله