آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

مواقف تستفز ذاكرتنا… وتستحضر “الجدة” بتجاعيد حكمتها وعطائها

نجوى صليبه ـ تشرين أونلاين:

“لم نكن كذلك” و”كنّا نخاف من كبارنا” و”لم نكن..” و”كنّا..” وغيرها من العبارات التي نقولها عند الامتعاض من رؤية أطفالنا وفتياننا يتصرّفون بقلّة احترام للكبير وفوضى وقلّة وعي وإدراك، وكلّها مواقف تستفز ذاكراتنا وتنبش شوقنا وحنيننا وحبّنا لحكايات أمهاتنا وجداتنا التي اختلفت مواضيعها مع اختلاف المواقف وتبعاتها، فحين العقاب تُروى الحكايا المرعبة التي تستنفر خيال الجدة وخيالات الأطفال معها، وحين التّكريم تُروى أساطير القلوب الطيبة والعقول النّاجحة، وهكذا..

ومهما يكن السّبب ومهما تكن الغاية، فقد ساهمت حكايا الجدة بدور كبير في تكوين ذائقة فكرية وثقافية ـ إن صحّ القول ـ وسلوكية في نفوس أجيال لم تسرق الحواسيب أقلامها ولم تعرقل الهواتف النّقالة طريقها ولم تقطّع شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية أواصر التواصل الحقيقي، وشبت وخرجت إلى الحياة رغم شظف العيش وصعوبة الحياة.

حكايا كنّا نظنّ إلى وقت قريب أنّها تخصّنا دون غيرنا، لكن لحسن حظ الثّقافة والأدب أنّها موجودة في كلّ البلاد، ويولونها الاهتمام والرّعاية أكثر، كما أنّهم يتذكّرون راويتها بكلّ تفاصيلها أكثر ممّا نتذكر نحن، هذا ماتوثّقه رواية “الجدة” للكاتبة التّشيكية “بوجينا نيمتسوفا 1820-1862” التي ترجمها الدّكتور غياث موصلي وصدرت عن الهيئة العامّة السّورية للكتاب عام 2011، ويذكر الموصلي في مقدمة الرّواية سبب بدء مشواره بنقل الأدب التّشيكي إلى العربية بهذه الرّواية، يقول: إنّ ماشجعني على ترجمة رواية “الجدة” هو ندرة الكتب التي تتحدث عن تلك الإنسانة الأصيلة وتعطيها حقّها في الوصف والمكانة في لغتنا العربية، هذه الرّواية تبرز دور الجدة التربوي الذي لايقلّ أهمية عن دور الأم أو الأب لما لها من خبرات وعقلانية.

في هذه الرّواية، تدحض “الجدة” مايعتقده كثيرون من العرب عن “انعدام الحياة الأسرية والرّوابط الاجتماعية” لدى الغرب، وتقترب من حضارة غير حضارتنا وروحانية مختلفة عن روحانيتنا لكنّها تشترك معها في أمور حياتية متشابهة نوعاً ما تتمثّل في روح حبّ الجماعة والعمل المشترك، وتجسّد “الجدة” كل هذه القيم والعادات شكلاً ومضموناً، وهي التي سكنت لوحدها في قرية “فرخوفسكا فيسكي” الهادئة، ولم تشكو الوحدة يوماً، إذ كان القرويون لها أخوة وكانت لهم أماً نصوحاً لايقدمون على فعل شيء من دون مشورتها بدءاً من مراسم العماد والجنائز وانتهاءً بالزّواج، مكانة لم تفقدها بانتقالها للعيش مع ابنتها “بروشكوفا” وأولادها في قرية أخرى، إذ حضنت نولها اليدوي ورتّبت ذكرياتها في صندوقها الملوّن وتوجّهت إلى سكنها الجديد الغارق بفرحة الأحفاد والمنتظر حياة جديدة التفاصيل تحرّكها دائماً الجدة بكلّ حبّ واهتمام وودّ وقوّة حين يتطلّب الأمر.

أدهشت الجدّة أحفادها بزيّها الريفي وبهرتهم بزنارها الجلدي المطرّز المجدول وتنورتها الخضراء التي يزينها الكشكش الأبيض وجيبها الكبير الذي احتضن مسبحتها والسكاكر، انتهاء بالشال الأحمر وأزهاره البرية، واستطاعت مذ وطأت قدمها السّكن الجديد أن تستحوذ رضا الجميع حتى صهرها الذي لايجيد التشيكية، وأن تتولّى مسؤولية المنزل بأكمله من الصباح حتى المساء، فعلّمت الأولاد حفظ النّعمة وحبّ الدّراسة وأمتعتهم أيضاً بحكاياتها الحقيقية والأسطورية، واجتازت مهماتها جدران المنزل وأسواره إلى بيوت الجيران من مساكين وفقراء وعادت كبيرة المكان كما كانت في “فرخوفسكا فيسكي” تحلّ مشكلات قاصديها بمن فيهم ابنة الأميرة وتآلف قلوب العشاق وتقوم بواجباتها الاجتماعية على أتمّ وجه لحين بدء رحلتها الأبدية وانطفاء شعلة الحياة من عينيها وبكاء الوادي وقرع أجراس الكنيسة معلنة وفاة الجدة.

تقول “نيمتسوفا”: في صباح اليوم الثالث لموتها، وحين مرّ موكب الجنازة الذي شارك فيه عدد كبير من معارفها وأحبابها الذين أرادوا مرافقتها إلى مثواها الأخير بالقرب من القصر، رفعت الستارة عن إحدى نوافذ القصر التي وقفت خلفها الأميرة الحزينة لتتابع من خلالها جنازة الجدة حتى اللحظة التي غابت فيها عن ناظريها..أسدلت الستارة.. تنهّدت الأميرة وهمست: ما أسعد تلك الإنسانة”.

استطاعت الجدّتان: الرّوائية وبطلة الرّواية اطلاعنا على مكانة المرأة الحقيقية في المجتمع التشيكي والأبعاد الإنسانية المهمّة في تحقيق التّماسك الأسري والبناء المجتمعي بلغة بسيطة سهلة مهذبة بعيدة عن التّكلف البلاغي والألفاظ التي تخدش الحياء وبإسهاب في التفاصيل من وصف الطّبيعة والشّخصيات وترابط الأحداث وخلفياتها وحلّ ألغاز البداية اللطيفة، لتلعب الروائية أيضاً دور الجدة التي تروي حكايات هادفة للأولاد تختار كلماتها بدقة وعناية ولتصبح الرواية منتوجاً أدبياً لا مشكلة في أن يقرأه الصغير كما الكبير، لحظات كثيرة جمعت الفتاة “كريستلا” وحبيبها “ميلا” ولم يتعدّى الحوار بينهما السؤال عن العمل وكيفية الحصول على بدل الخدمة العسكرية أو بث أشواقهما للجدة التي لم تذكر الروائية اسمها إلا قليلاً وللضرورة فقط ربما من باب التّهذيب الشخصي واللغوي المسيطر أو باعتبارها رمزاً للجدّات جميعاً، حيث يرد اسم الجدة حين يلتفّ حولها أحفادها وكلّهم لهفة للاستماع إلى حياتها وكيف طلبها “يوراي” للزواج: أخبريني يا”مادلينكو” بكل صراحة إذا كنت تحبينني ومستعدة لأن تعيشي معي حتى في أسوأ الظروف؟ و”مادلينكو” هو اسم التحبب من “مادلينكا” الذي يرد على لسان العم “والد يوراي”، ولاحقاً في نهاية الحكاية تذكر الروائية أنّ الجدة “ب. نيمتسوفا” تدعى “ماجدولين نوفوتنا” وهي ابنة نجار يدعى “يان تشودا” ولدت في عام 1770 في قرية “كشوفيتس” بالقرب من بلدة “دوبروشكا” وتذكر أنّ لها ابناً وبنتين كما في الرواية، كما تنوّه بمعاني بعض الألفاظ التي وردت باللغة اللاتينية وأخرى باللهجة التشيكية من دون تعريب.

الجدّة شخصية مهمة في الأدب، لكن قلّما نجدها في رواياتنا العربية بهذا التّفصيل الدّقيق على الرّغم من أنّ الكثير من أدبائنا يذكرها في أحاديثه اليومية وينوّه خجلاً بأنّ بعض أفكاره استقاها من مواقف كانت الجدة بطلها، ومهما يكن الأمر فإنّ حاجتنا اليوم إلى جدة تمسّد شعر أطفالنا وتمسح دمعهم ويهربون إليها حين يعرفون أنّ كل هذه الآلات اللعينة قشة في بحر حبها وحلمها وذاكرتها لأن تعود واقعاً في ظلّ مانعانيه من تهميش لثقافة أطفالنا، لكن سؤالاً ما يطرح ذاته هاهنا: هل يوجد ليدنا اليوم جدة كتلك التي نتحدث عنها؟.

 

 

 

print

مقالات ذات صله