آخر تحديث: 2018-06-20 11:56:08

عاجل

الانهيار الأمريكي القادم في ضوء المعطيات الدولية والداخلية والإقليمية .. بقلم: د. رحيم هادي الشمخي

القانون الفيزيائي القائل:(لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه) أصبح ينطبق بالملموس، بل يزيد على واقع الولايات المتحدة، وينعكس بجلاء على مجمل الحياة وحركة المجتمع الأمريكي، وبالتالي على المستقبل السياسي للإدارة الأمريكية، ويتعداه إلى تهديد أركان هذه الدولة الكبرى، على الصعد الدولية والداخلية والاقتصادية والاجتماعية والإقليمية.
إن ردود الأفعال القوية المتنامية التي أخذت تواجهها (حكومة واشنطن) في الوقت الحاضر برئاسة ترامب، هي نتيجة قائمة من جراء توجهاتها السياسية الخارجية غير المشروعة، وتدخلاتها المكشوفة في الشؤون الداخلية للدول في قارات العالم الخمس تقريباً، يصاحب ذلك التدهور الخطير في هيكل الاقتصاد الأمريكي، والمتصاعد بيانياً مع مرور الأيام، كذلك إدراك الشعب الأمريكي للمخاطر المحدقة بمستقبل بلاده الذي يسير بالتأكيد نحو الانزلاق والانهيار، هذا الوضع ناتج عن دنو أمريكا مجتمعة إلى حافة الانفجار، وهي حال يشبه ذلك البالون الذي ينفجر في الجو بسبب حدوث تخلخل في الضغط عند ملئه بغاز الهليوم الخاص أكثر من استيعابه، ولعدم وجود مجال للتمدد لدى ارتفاعه إلى أكثر من الحدّ اللازم لاستمرارية حركة انسيابه بحرية، والاحتفاظ بموازنته المطلوبة، وبرغم محاولات إدارة ترامب مداواة الجروح العميقة- المميتة التي ينزف منها الجسد الأمريكي لم تنجح العمليات الجراحية، ولم تستطع، وقفها أو لأمها وشفاءها، إن واقع الحال هذا، نابع من إدراك العالم التام عدم (واقعية أو نقاء) السياسة الأمريكية ونقص أكيد في صفاء نية المسؤولين في أمريكا من خلال التعامل مع الآخرين في مختلف بلدان العالم سواء الواقعة في القارة الأوروبية أو القارة الإفريقية أو في قارة آسيا والوطن العربي وفي أمريكا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية التي كانت تسمى في السابق (دول المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو)، والأمثلة كثيرة وتكاد لا تحصى التي تدلل على مدى تخبط وتأرجح السياسة الأمريكية الخارجية وتوجهات وتطلعات حكومة الولايات المتحدة الأمريكية خارج الحدود بهدف إيجاد مناطق نفوذ والاستحواذ على ثروات الشعوب وسلب الشعوب المستقلة والناهضة مقدراتها وحقوقها الثابتة وتطلعاتها نحو تحقيق الأمان والاستقرار وصنع مستقبلها المشرف.
إن ادّعاءات القائمين على رأس السلطة وسدة الحكم في أمريكا بأن النهج في بلدهم يعد «النموذج والمثال» الذي يجب أن يحتذى به من قبل الآخرين، هي ادّعاءات مكشوفة النيات والأهداف داخلياً وخارجياً، تحت أقنعة وشعارات مفضوحة بالية، منها: (حماية حقوق الإنسان) و(الدفاع عن الحريات) و(إعادة الأمن والتهدئة) وغير ذلك من الطروحات الاستعمارية القديمة- الجديدة، فحوادث التاريخ تعيد نفسها، والحقائق تبقى كما هي، والغربال لا يستطيع أن يحجب ضياء الشمس الساطعة، لأنها لا تقبل التزييف أو التشويه رغم محاولة وسائل وأجهزة أبواق الدعاية الأمريكية البارعة تحريف الحقائق وإخفاءها وطمسها لخدمة الهدف العام لأمريكا.
إن العالم لا يزال يتذكر ويذكر بألم ذلك التدخل السافر واللامشروع للدولة الأمريكية عندما أطاحت واشنطن بحكومة الوحدة الوطنية المنتخبة شعبياً برئاسة الراحل (سلفادور الليندي) وقيام طائرات سلاح الجو الأمريكي بقتله بعد شن العدوان وقصف قصر الرئاسة في العاصمة (سانتياغو) عام 1974، ثم تذكروا العملية بغزو (بنما) واعتقال رئيسها من أرض بلاده ونقله إلى الأراضي الأمريكية، والتدخلات الأمريكية معروفة لا تحتاج إلى التذكير، فصورة الاحتلال الأمريكي لفييتنام والتدخل المسلح في منطقة الهند الصينية وفي أمريكا الجنوبية لا تزال راسخة في الأذهان.
العدوان الأمريكي على العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان وغيرها أكبر دليل على همجية أمريكا وسقوطها الحتمي وقرب انهيارها في المنطقة العربية، فهذا التدخل الأمريكي أحدث  أمثلة على التحدي للرأي العام والمجتمع الدوليين، وما يحمله في طياته من نيات استعمارية توسعية للهجمة الشرسة والغطرسة والتهور الرسمي للإدارة الفيدرالية التي سيحكم عليها بالفشل الأكيد بفعل الصمود الجماهيري، ولاسيما في سورية والعراق ورجال المقاومة العربية والإسلامية في دحر الإرهاب الداعشي ومن معه من الإرهابيين الذين دربتهم وموّلتهم بالسلاح، لتدمير الحضارة العربية وسلب هوية الإنسان العربي، ومن خلال متابعة دقيقة لمسار مجريات السياسة الأمريكية وتوجّهاتها، فإن المراقب يستخلص نتيجة لا غموض فيها، وهي محاولات الإدارة الأمريكية الرامية إلى إخفاء حقيقة دوافعها الغامضة، وخاصة في رئاسة ترامب الذي يمثل عهده نظام الفوضى والابتزاز ومساندة الإرهاب والاعتداء على الشعوب الآمنة، تحت مختلف الأقنعة والذرائع مثلما يحدث  ضد سورية والعراق ودول عربية أخرى.
وفي خضم المتغيرات والمستجدات الجديدة من خلال العدوان الأمريكي على سورية فإن أمريكا ورّطت نفسها في احتلال أراضي سورية في الرقة وما حولها بمساندة وتدريب مجموعات من المرتزقة في محاولة يائسة لاحتلال دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وبذلك ارتكبت أمريكا جريمة بالاعتداء على مقومات الشعوب المحبة للحرية والسلام، واستناداً إلى كل ذلك يمكن القول دونما تردد: إن بوادر حرب اقتصادية وسياسية بين أمريكا من جهة وأوروبا من جهة أخرى قد بدأت بالظهور نتيجة هيمنة أمريكا على اقتصاديات العالم بالقوة، ولاسيما النفط، وخوف أوروبا من هذه السيطرة وحفاظاً على مصالح شعوبها، هذا البروز الأوروبي بدا جلياً في ظل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها كل طرف من أطراف الصراع.
وأمام هذا الوضع، وفي مقابل هذه المعطيات والمستجدات الجديدة، فإن الأزمات والمصاعب والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أخذت تعصف بشدة بالمجتمع الأمريكي وبالهيكل العام للدولة، بل إنها باتت تهدد المستقبل السياسي للبلاد، والآن، يقابل هذا الكم الهائل المتراكم من المشكلات وتنامي الخلافات وتعمقها على الصعيدين الدولي والإقليمي، والتي تغلف الإطار العام للسياسة الأمريكية، مشكلات ومصاعب خطيرة تعصف ببنيان السياسة الأمريكية، ولاسيما بعد مجيء ترامب الجاهل بأمور السياسة والحكم إلى دفة الدولة الأمريكية، فالاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل» اللقيطة قد أجج مشاعر العالم، ولاسيما العرب والمسلمين والمسيحيين ودول العالم الصديقة، كما أن رجوعه عن الاتفاق النووي مع إيران قد أخلّ بمصداقية أمريكا تجاه العالم وكذبها على الشعوب التي تريد العيش بحرية وسلام.
وبسبب ما أصاب أمريكا من كوارث طبيعية وأعاصير دائمة، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث أتلفت مساحات واسعة ومهمة من الأراضي الزراعية وأصابتها بأمراض غامضة عجزت التقنية العلمية الأمريكية المتقدمة عن إيجاد العلاج اللازم لها، فضلاً عن تفاقم وتعاظم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمالية، واتساع انتشار مرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) بشكل مذهل، ولاسيما بين المراهقين في أوساط الطلبة، الأمر الذي أصبح يهدد فعلاً بضياع المجتمع الأمريكي واهتزاز أركانه.
بسبب هذا كله فقد أخذت الأصوات ترتفع علناً داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما من جانب الخبراء والمختصين والمعنيين بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والمالية، ومنهم محللون وخبراء ليسوا من أصحاب السياسة، مطالبين حكومة ترامب بالتحرك الفوري السريع، قبل فوات الأوان، باتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي المالي، ومواجهة المشكلات والأزمات المتنامية، وبروح من الجدية والمسؤولية والإرادة، وإلا فإن الأمور ستسير حتماً في الاتجاه السلبي لاستقرار أمريكا وازدهارها.
إن السياسة الأمريكية الخارجية ومنذ عهد بوش الأب والابن وباراك أوباما، وأخيراً الرئيس ترامب لم يكتب لها النجاح في مجال العلاقات الدولية، لأنها تريد السيطرة على مقدرات شعوب العالم، ومثال ذلك الانحياز إلى جانب العدو الإسرائيلي ضد شعب فلسطين العربي الذي شُرّد من أرضه وسُلبت حقوقه المشروعة منذ عام 1948 وحتى الآن يماطل الكيان الصهيوني ليبتلع كل فلسطين بإعلان ما يسمى «الدولة اليهودية»، كما أن احتلال العراق عام 2003 ومحاولة تدمير سورية أرضاً وشعباً بتجميع المرتزقة من أنحاء العالم أوقع أمريكا في مصاف الدول الإرهابية، فما عادت أمريكا هي الدولة العظمى في العالم، وتبعاً لما تقدّم يصل الخبراء والمختصون من خلال تحليلاتهم إلى وضع صورة محددة المعالم للواقع الراهن للولايات المتحدة الأمريكية على الشكل الآتي:
[على الأمريكيين أن يدركوا ويرفضوا تصديق الأصوات التي تدّعي أن أمريكا لا تواجه أي مشكلة، وأن الأمريكيين قادرون على حلّ مشكلاتهم فور حدوثها، إن الوضع الذي يجب أن يواجه هو أن أمريكا سوف (تنهار) ما لم تتخذ الإجراءات اللازمة، وكما هو معروف للجميع فإن (حالنا) يشبه حال المريض المصاب بالسرطان لا يستطيع محاربة المرض إذا استشرى في جسمه، وما ينطبق على هذا المريض، ينطبق على أمريكا أيضاً.
* كاتب من العراق

print

مقالات ذات صله