آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

الوطن بين السياسة والثقافة .. بقلم: عماد خالد الحطبة

 لأننا نعيش في عصر الارتباط، فإننا نسمع كل يوم صوتاً ينطلق يطلب فك الارتباط بين الإنسان وحقيقة أخرى من حقائق حياته الجماعية، ليعود كائناً فردانياً يعيش في غابة موحشة هي ذاته، لأننا نعيش في هذا العصر نسمع الكثير من الأصوات تتعالى بفصل الثقافة عن السياسة. وفي ظاهر الأمر يرسم أنصار «الحرية» صورة ثنائية الأبعاد، تبدو فيها السياسة «قيداً يعوق تقدم الثقافة، وسقفاً يحد من قدرة المثقف على الإبداع، ثابتاً يحرم المثقف والثقافة من التفاعل والحركة في فضائه الثقافي».
إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يبدو «منطقياً وذا معنى»، بل وفي الإمكان ضرب مئات الأمثلة التي «تثبت صوابيته في الواقع»، خاصة أن آلاف الأدباء والشعراء والفنانين والفلاسفة وعلماء الاجتماع ذاقوا مرارة السجون في كل بلدان العالم. ولكي تبدو الصورة خلابة أكثر فإن الدعوات الجديدة لم تعد مقتصرة على ما يسمى الأنظمة التوتاليتارية «الشمولية» بل تعدتها لتتهم الأنظمة المساة ديمقراطية، لذلك فإن هذا الفكر المتمرد يلقى حضوراً مميزاً لدى الشباب، وكذلك لدى المثقفين، الذين يشعرون بأنهم «دفعوا ثمن» كل الخيبات والهزائم والإحباطات التي تعيشها أوطانهم، وخاصة أن هذا الطرح، مدعوم بآلة معقدة من التمويل والتمكين، وشبكة واسعة من المنظمات المحلية  والإقليمية والدولية.
لا يختلف فكر اليوم في عالمنا العربي، عما حصل في أوروبا عام 1968، ففي كلتا الحالتين راهن المثقفون على ثورات اعتقدوا أنها ستقودهم إلى «اليوتوبيا» التي يحلمون بها، لكنها تحولت في النهاية إلى كوارث، وأصبحت محوطة بجو من اليأس والهزيمة وانطلق فكر «ما بعد حداثي» تفكيكي عربي، مشكلته أنه لم يمر من بوابة الحداثة، ولايملك في عمقه تنوير كانط أو ديكارت أو هيغل أو ماركس، ولم يقده فلاسفة بحجم جان بول سارتر أو ألتوسير، لذلك لم يسأل «مثقفو
الربيع العربي» (مابعد الحداثيين) عن الأسباب التي تدعو أوروبا اليوم للتراجع عن هذا الفكر ونقده بشدة، لنسأل مثلاً: لماذا شرع جيل دولوز قبل وفاته بوضع كتاب عن ماركس، هل كان يعبر عن ندمه ويبحث عن المغفرة؟
مشكلة الصورة التي تبدو ثنائية الأبعاد (الديمقراطية ضد الديكتاتورية، الحرية ضد القمع) إنها في عمقها متعددة الأبعاد. فالرأسمالية ترى أن «الأفكار هي بدائل تتربص بأزمة ما». لذلك رأى ميلتون فريدمان في إعصار  «كاترينا» الذي ضرب ولاية نيواورلينز مخلفاً 986 قتيلاً، فرصة لخصخصة التعليم الحكومي. وقبله كانت الولايات المتحدة قد استعبدت أوروبا الغربية بعد كوارث الحرب العالمية الثانية من خلال «مشروع مارشال» الذي عمل على «أمركة» الاقتصاد والثقافة الأوروبيين.
إن منطقتنا التي تعج بالأزمات والحروب بكل مسمياتها (الإثنية، والدينية، والطائفية)، هي في نظر الرأسمالية مجموعة من الفرص والمشاريع، تبدأ من التعددية الثقافية ولا تنتهي بإعادة الإعمار. وكما نظرت مابعد الحداثة إلى أوروبا 1968 فوجدتها مبنية على ثلاثة أعمدة هي: المدرسة والمصنع والعائلة. تنظر رأسمالية اليوم إلى منطقتنا على أنها قائمة على ثلاثة أعمدة هي الأخرى: الانتماء الوطني والتقاليد والدين، لذلك عملت على تفكيكها من خلال فصل الإنسان عن الوطن بحجة «إنجاز الديمقراطية الليبرالية وإسقاط الديكتاتوريات»، وفصله عن التقاليد تحت شعار «الحريات الفردية وفتح آفاق الإبداع»، ثم فصله عن الدين الشعبي تحت شعار «الحرية الثقافية». ويمكننا اختصار كل ذلك بجملة واحدة؛ فصل الثقافي عن السياسي.
في الأفق الثقافي المحض يصبح الإبداع قضية يمكن أن تلتقي فيها مع العدو الصهيوني كما فعل زياد الدويري في السينما، أو مجموعة كوبنهاغن الثقافية. كما يمكن أن تتلقى تمويلاً من منظمات غير حكومية وأخرى حكومية تابعة لأجهزة استخبارات معادية، تحول قضايا هامشية إلى قضايا رئيسة، فتحصل جرائم الشرف (بالعشرات سنوياً) على التركيز والاهتمام على حساب الفقر الذي يقتل عشرات الآلاف سنوياً، ويمكن أن تتحول قضية فلسطين من قضية احتلال غاصب، وحق شعب بأرضه إلى فيلم جميل يثير العواطف عن قصة حب بين فلسطيني وإسرائيلية تعوقها العداوة بين الشعبين، أو حكاية طفل يتنقل بين فتحات الجدار العازل ليصل إلى مدرسته أو لقاء بين متقاعدين عسكريين حاربا ضد بعضهما ذات يوم، يفجران غضبهما أولاً ثم يصلان إلى قناعة مفادها أن «العيش معاً هو قدرهما»!
في الفضاء الديمقراطي، يمكن أن تخون وطنك وتتعامل مع أجهزة مخابرات معادية، وتحارب في صفوف جيوش معادية، لكي «تحقق وتحصل على مجتمع ديمقراطي ليبرالي» تستطيع فيه شتم رئيس بلادك، وقتل جنود جيشك الوطني، وإنتاج برامج تلفزيونية تتهكم على كل ما في الوطن، كما حدث مع ريغان وتاتشر وبوش الأب والابن، فأنت تمتلك الإرادة، لكنها إرادة لا تريد، ولا تملك أن تريد. وفي النهائية فإن كل هؤلاء سيعاد انتخابهم، وستجد نفسك أمام خيار ديمقراطي محصور بترامب أو هيلاري كلينتون، ماكرون أو ماري لوبان.
في فضاء  الحرية و«التعددية الثقافية»، تتغلب هويتك الفرعية على هويتك الوطنية، وتصبح الإمكانية الوطنية الوحيدة كامنة في «المحاصصة» الدينية أو الطائفية أو الإثنية، أو الجهوية، ويتحول ابن وطنك إلى آخر مختلف، وعدو محتمل إذا لم توافق على تقسيم الوطن بينك وبينه.
وبذلك يتم تقسيم الأوطان ثقافياً قبل أن تقسّم سياسياً، لقد أصبح موضوع التقسيم السياسي، اليوم «مجرد رأي آخر يجب قبوله والحوار معه على قاعدة حقه بالوجود»، حتى لو استعان بـ«ناتو» أو بـ«إسرائيل» فلدينا قضايا داخلية نتحالف في سبيلها، الخبز، والغلاء، والفساد.. وهكذا!.
كذلك أصبح التطبيع مع العدو «وجهة نظر أخرى»، نناقشها وندرس تأثيرها في صورتنا في العالم، «وفوائدها في إطلاق إمكاناتنا الإبداعية والاقتصادية»، قد نختلف معهم، لكن الخلاف لا يفسد للود قضية.
أما أولئك الذين يطالبون بوحدة الأوطان، أو رفض التطبيع أو التمويل، فمصيرهم «الطرد من الجنة الديمقراطية»، واتهامهم «بالقمع، وضيق الأفق، واللغة الخشبية»، بل وتصل السخرية قمتها عندما يُتهمون بـ«معاداة المصالح الوطنية»!
عندما نفصل الثقافي عن السياسي في بلاد مازالت ترزح تحت وطأة الاستعمار، بلاد كل ما فيها سياسي، بلاد لم تنجز مشروعها الحضاري الحداثي، فإننا ببساطة نعمل على تحطيم البوصلة، نفتح ثغرة في الجدار يدخل عبرها كل غاز. نفكك كل شيء يربط بيننا، ونغيّر كل ما يميزنا حتى يأتي يوم ننظر فيه إلى المرآة، فلا نعرف أولئك الذين تنعكس صورهم أمامنا.
*كاتب من الأردن

print

مقالات ذات صله