آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

الباحث عطية مسوح: الديمقراطية تكون ناقصة لا زائفة

نضال بشارة ـ تشرين أونلاين:

تعتبر محاضرات الباحث عطية مسوح التي يلقيها في المكتب الفرعي لاتحاد الكتّاب العرب بحمص من أكثر المحاضرات متابعة واستقطاباً للجمهور ومحاورةً له، لما يطرحه فيها من أفكار وأسئلة ومعرفة بطريقة سلسة يَبْسِطُ فيها ما يريد طرحه دون تعقيد، لتصل لكل شرائح المتلقين.

وفق تلك الإشارة، ألقى مؤخراً محاضرة بعنوان ” المعادلات الاجتماعية المستحيلة” ، مشيراً إلى أنه استعار العنوان من الرياضيات، فالمعادلات المستحيلة في الرياضيات هي التي لا حلّ لها فتُهمل، لكن المعادلات الاجتماعية المستحيلة تختلف في المجتمع عنها في الرياضيات، فلا تُهمل، وتظل في موضع اهتمامٍ دائم وحثيث من البشر، وهي التي تجتذب إليها الباحثين، منذ أقدم العصور، منذ فجر التفكير، وحتى يومنا هذا، وستبقى كذلك.

والمعادلات الاجتماعية المستحيلة هي التي يحقق فيها الإنسان خطوات في حلها، كلما لاحقها، ولولا ذلك لما حققت البشرية في مجال الإنسانية أي تقدّم. ولتوضيح الفكرة يطرح الباحث مسوح مثالاً عن تلك المعادلات، معادلة ( الحرية والديمقراطية) فهما أكثر مسألتين في الفلسفة والفكر السياسي يسعى الإنسان لتحقيقهما بشكل أفضل دائماً، لأنهما لا يمكن لهما التحقق كما يبتغي البشر تحققاً مطلقاً.

بمعنى آخر الإنسان يسعى إلى الحرية سعياً حثيثاً، بالوقت نفسه الذي يسعى إلى العدل الذي كثيراً ما يكون ” نقيضاً ” لها، ولا يمكن لكليهما أن يتحقق بالمطلق. ويفسر الباحث مسوح ذلك بأن الحرية هي المضمون والديمقراطية هي الشكل، فكلما سعى الإنسان لرفع سقف الحرية أو لتحطيم القيود، تأتي الديمقراطية طريقة لتنظّم وفق مستويات معينة ممارسة الإنسان والمجتمع للحرية. بمعنى أنها شكل يقيد الحرية. ويكون الشكل مناسباً لكنه مع الزمن يصبح قيداً للمستوى فيحدث أزمة في المجتمع، ولذلك لا بد من أن يتغير كي يتناسب مع المحتوى، وإذا كان القائمون على المجتمع مهتمون بالمحتوى يتطور هذا الشكل وإن لم يهتموا، ينغلق وينفجر.

من ما سبق ينتقل الباحث مسوح إلى فكرة أخرى مرتبطة بها وهي أننا كثيراً ما نقرأ أو نسمع عن الديمقراطية في الغرب بأنها زائفة، وذلك على ألسنة المثقفين والسياسيين وعامة الناس، فيقول الديمقراطية منذ أيام اليونانيين هي لفئة من الناس، وكذلك أيام الرومانيين، وهي كذلك أيضاً في الغرب الأوروبي، هي ناقصة لأنها تقوم على ساق واحدة، بمعنى أنها تهتم بالعدل السياسي لا الاجتماعي، ولذلك هي ناقصة لا زائفة.

ومن جهته يرى مسوح ضرورة تقديم الديمقراطية السياسية على الاجتماعية لأنها تقدّم المناخ المناسب لتحقيق العدل الاجتماعي. فمعادلة الديمقراطية والحرية مستحيلة ولا حل لها، ولا وصول للسقف فيها لأنها طموح الإنسان يتنامى باستمرار، فهي الشكل السياسي المناسب لتحقيق ما يصبوا إليه الإنسان.

ثم انتقل مسوح إلى الحديث عن معادلة ثانية مستحيلة وهي الشك والتسليم، هذه المعادلة القائمة منذ فجر التفكير الفلسفي عند البشر، ويشير إلى ما تعرض له سقراط الذي خرج عن مسلمات كانت موجودة في مجتمعه الديمقراطي، ولأن الديمقراطية ناقصة، حكم عليه بالموت فقتل. ويوضح مسوح هذه المعادلة بالقول أن هناك ميلاً للتسليم في نفوس البشر، فالشك منبعه العقل، والتسليم منبعه النفس التي تسعى للراحة والطمأنينة، خلاف الشك والتفكير، فهما مرتبطان بالقلق.

بمعنى أن التسليم نقيض العقل. والفكر الديني مع التسليم منذ ما قبل ما يسمى بالديانات التوحيدية، لأنه يبدأ من نقطة محددة ويجب أن يصل لغاية محددة.

ويشير مسوح إلى أنه إذا كان التسليم خلافاً للعقل لماذا يستمر مع التطور في كل مجالات الحياة العلمية والتكنولوجية، إذ نجد العقل الإنساني يميل إلى الحركة والتفاعل لأن دافعه القلق المعرفي والبحث ولا يعجبه الهدوء والراحة، في حين يميل حتى الذين يجسدون هذا العقل الإنساني – خاصة في مجال العلوم- إلى التسليم في قضايا أخرى لأن النفس تميل إلى الراحة والاستقرار، فهي معادلة مستحيلة أخرى، وهكذا سارت وتسير البشرية منذ فجر التفكير، وهي ستظل كذلك.

 

print

مقالات ذات صله