آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

في الألفية الثالثة.. سقوط الوحش الأمريكي الهائج في الرمال السورية .. بقلم د. رحيم هادي الشمخي

كيف يمكن بناء موقف عربي موحد، وحال العالم العربي كما نرى مشتت، والصف العربي ممزق، والخلافات العربية تحولت من خلافات حادة إلى خلافات مزمنة، تتفجر في كل مناسبة، وفي كل مستوى، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة على «الجامعة العربية» التي أصبحت مجرد ساحة لتبادل الكلمات والاتهامات فلا يصدر عنها قرار واحد تنفذه الدول التي أيدته، وعلى سبيل المثال احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003 ومعظم الحكام العرب في قصورهم نائمون وأحرق حلف شمال الأطلسي ليبيا ولم يحرك العرب ساكناً، ويمر وعد بلفور المشؤوم والأعراب سكارى في جحورهم، والأغرب من ذلك يُحاصر الشعب ويذبح الأطفال بحراب الأمريكان والصهاينة في سورية وبعض العرب مع الأعداء ضد إخوتهم في الدم واللحم، لقد ظلت الجامعة العربية تدور في حلقة مفرغة، تنتهي من حيث بدأت، وتبدأ من حيث انتهت ويتكرر في اجتماعاتها بحث الموضوعات نفسها اجتماعاً بعد اجتماع وسنة بعد سنة، ودول العام تتقدم والمنظمات الإقليمية تحقق إنجازات أشبه بالمعجزات، ولا داعي لتكرار الحديث عن الاتحاد الأوروبي أو جنوب شرق آسيا، بينما المنظمات الإقليمية العربية (الجامعة العربية) تحولت إلى ما يشبه محطة إذاعة تذيع بيانات وتوصيات وقرارات، وكلها حبر على ورق، وأكبر دليل على ذلك الأسطوانة المشروخة التي تكرر الحديث عن التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة والتعاون الاقتصادي العربي، ولم الشمل العربي و..الخ، والحقيقة أن تعاون معظم العرب فيما بينهم أقل من واحد على مئة من تعاونهم مع الدول الأجنبية، والاستثمارات العربية خارج الوطن العربي أكبر من الاستثمارات داخل الوطن العربي آلاف المرات، والأموال العربية في البنوك الأجنبية مئات المليارات وليس في البنوك العربية منها سوى مصاريف الجيب.
وأمام العرب الآن خطر اسمه مشروع: (الشرق الأوسط الكبير) لنشر الديمقراطية الحارقة وتغيير عقلية العرب وفقاً للنموذج الأمريكي، وهذه معركة أصبحت معركة حياة أو موت، فالإدارة الأمريكية تطرح الآن، بل تنفذ، ذلك التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وهو في الحقيقة التعبير الأخير عن الهيمنة الأمريكية وفرض الوصاية على الأمة العربية، والمشروع يدّعي أن «الهدف نشر الديمقراطية» في الشرق الأوسط، ولا تنكر الإدارة الأمريكية أنها تريد تغيير الشعوب والحكومات في هذه الدول تكراراً لما فعلته في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وقد بدأت الإدارة الأمريكية في مباحثات مع شركاء أوروبيين لبلورة هذه الخطة، وهذا المشروع يمثل الاستعمار الجديد للعرب والمسلمين، وما يعلن في التصريحات عن النيات الحسنة بأن الهدف هو «إصلاح أحوال الدول العربية» ليس إلا الغطاء السياسي، وقد بدأ بالعراق وليبيا وتونس ومصر واليمن والسودان وما يجري من تآمر على سورية وشعبها الأبي العظيم، هو طبقة السكر التي تغلف السم، وأول مرة أعلنت فيها أمريكا عن هذا المشروع عندما ألقى نائب الرئيس الأمريكي خطاباً في المنتدى الاقتصادي الدولي وقال فيه «إن استراتيجيتنا القادمة نشر الحرية في العالم تلزمنا بمساندة هؤلاء الذين يعملون ويضحون من أجل الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير، ونحن نناشد أصدقاءنا وحلفاءنا أنصار الديمقراطية في كل مكان، وفي أوروبا على وجه الخصوص، الانضمام إلينا في هذا العمل»، وقبل ذلك أعلن كولن باول وزير خارجية أمريكا الأسبق عن مبادرة لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أثارت زوبعة من الاعتراضات من الشعوب العربية على أساس أنها تدخل مرفوض.
فالهدف إذاً من مشروع «الشرق الأوسط الكبير» هو تغيير العالم العربي والإسلامي تغييراً كاملاً، يشمل التغيير السياسي والتغيير الاقتصادي ومسائل الأمن والتسليح وتحديد الطريق أمام هذه الدول لتنفيذ ما يقال: «إنه الإصلاحات المطلوبة».. ولكن معظم العرب لم ينتبهوا إلى هذا المشروع الإقليمي الصهيوني إلى أن وصلت الموجة إلى رقابهم، ولعلهم سمعوا ما قاله السيناتور الأمريكي (ريتشارد لوجار) رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في مجلس الشيوخ الأمريكي في خطابه الذي دعا فيه دول حلف «ناتو» إلى احترام الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة القوات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط على القيام بمهامها واستكمال هذه المهام وعدّد منها، «حفظ السلام، والقضاء على الإرهاب، والإصلاح السياسي والعسكري»!! ولعلهم سمعوا أيضاً ما أعلنه السيناتور جون إدوارد أحد المرشحين الديمقراطيين حين قال: (نريد تغيير العالم العربي بما يتفق ومصالح أمريكا المستقبلية) وما تنظيم «داعش» والإرهاب عموماً الذي ساهمت في صنعه الولايات المتحدة الأمريكية إلا الدليل القاطع على تنفيذ مؤامرة الشرق الأوسط الكبير، فما يجري اليوم ضد سورية والعراق وليبيا واليمن ليس إلا محاولة أمريكية لنشر زوبعة الديمقراطية الحارقة التي لا تميز الإنسان من الحجر، فاحذروا يا عرب لما بعد «داعش»، وانتبهوا لما يخطط له  ترامب فأول «الغيث» لرئاسته اعترافه بالقدس «عاصمة لإسرائيل» اللقيطة، وهذا ما يؤكد موقف سورية العربية الحازم من تجليات الموقف الأمريكي الجديد وانحيازه بصورة كاملة لـ«إسرائيل» بعد أن شاركت أمريكا في تدريب الإرهابيين وإدخالهم مع أسلحتهم إلى سورية والعراق في أبشع جريمة عرفها تاريخ الإنسانية.
أما المؤامرة التي تديرها أكثر دوائر المال إجراماً ووحشية على سورية العربية فأخذت أبعاداً وأساليب واتجاهات جديدة للهيمنة على المنطقة العربية وبصورة خاصة سورية التي وقفت بكل كبرياء وبشموخ أبنائها لصد العدوان الأمريكي- السعودي- العثماني- القطري وكل عرب الجنسية الذين تلطخت أيديهم بالدماء السورية الزكية والذين دخلوا في حلف عدواني لضرب أهم وأصلب أعمدة محور المقاومة.
إن نظرة ثاقبة لما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة العربية يكشف عن جذر المسألة الحقيقي، فأمريكا اليوم لا تملك مصداقية الدولة العظمى، ولا مصداقية العهود مع الدول الكبرى ولا تسعى بجدية لتطبيق المعاهدات الدولية، بل تمثل في الوقت الحاضر (إمبراطورية المراهقة)، بدليل أن أصدقاءنا الروس يعرفون هذا جيداً من خلال الحرب الباردة في نهاية القرن الماضي، ومن خلال العلاقات الدولية في جوانبها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وما ذكره وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر بالحرف الواحد (ليس بيننا وبين الاتحاد السوفييتي السابق معاهدات مقدسة بل مجموعة من المصالح، يمكن إلغاؤها عندما تتعرض مصالح أمريكا للخطر، ومن هنا لا بد لنا من أن نعيد إلى الذاكرة اليوم أن أمريكا ما زالت تمثل (الوحش الهائج) في العالم.
والسؤال هو: من الذي يتصدى لهذا الوحش الأمريكي في زمن الشرق أوسطية والعولمة وسلب حرية الإنسان العربي؟
سيسجل التاريخ بمداد من ذهب تلك الوقفة الشجاعة للشعب العربي السوري وجيشه الباسل وقواه الوطنية والتقدمية التي تصدت لعدوان أمريكا، وشهد لها الأعداء والأصدقاء، بأنها هزمت بشجاعتها أولئك الذين لطخوا أيديهم بالدماء السورية الزكية، إنها معركة فريدة من طراز خاص، ومن بطولات فريدة سجلها الجيش العربي السوري وما زال هذا الجيش يراكم الانتصارات على تخوم الوطن الشرقية والغربية والجنوبية بقوة الإيمان حتى يتحرر آخر شبر من سورية خيمة العرب الكبرى وملاذهم الآمن، وإلى جانب ذلك فإننا نرى أن المحور الذي يضم سورية وروسيا والعراق وإيران والمقاومة اللبنانية أصبح هو الأقوى في تقرير اتجاهات المستقبل في المنطقة، ومن هنا فإن ما تقوم به أمريكا اليوم من عدوان على منطقة (التنف) وغيرها وبناء قواعد عسكرية وإرسال جنود إلى الحدود السورية -العراقية يندرج في حسابات أن هذه الدولة الأمريكية ضالعة في الإرهاب حد العظم، فأمريكا الدولة الكبرى قد وقعت في خطأ غزو العراق عام 2003، وأكثر من هذا ما قام به حلف الأطلسي في تدمير ليبيا واليمن، وتبين من ذلك أن صناع القرار في البنتاغون هم الذين تدرجوا للحرب على سورية وجمعوا الإرهابيين والمرتزقة من كل حدب وصوب مستخدمين سياسة (صنع الإرهاب) التي تعد جزءاً من فقرات مشروع (الشرق أوسطية)، الذي ولد في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية لإثارة الفوضى في الدول العربية.
إننا إزاء عدوان مستمر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على الأراضي السورية لضرب المواقع السورية في منطقة الحدود السورية- العراقية، التي تتكاثر حولها «داعش» و«جبهة النصرة» وكل مرتزقة آل سعود ومن يدعمهم من بريطانيين وأمريكان، إذاً فلا بد من اتخاذ موقف حازم وجرئ من قبل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا معنا في السراء والضراء عليهم أن يحذروا من عمق هذه المؤامرة التي تقوم بها أمريكا بالتمادي المستمر على الحدود السورية- العراقية، وكلنا نعتقد أن روسيا الدولة الكبرى والصديقة لسورية والعرب، لن يفوتها ما تقوم به أمريكا و«إسرائيل» على مدى الأيام الماضية، كما أن أصدقاءنا الروس يعرفون أن أمريكا قد صرفت الانتباه عن مشكلة مهمة أخرى وهي الحرب ضد الإرهاب، وأن إحلال الفوضى في الدول الأخرى هو مطلب أمريكي لتحقيق مصالحها في المنطقة العربية والعالم، كما أن أصدقاءنا الروس قد استنكروا وجود قوة أمريكية على الحدود السورية- العراقية واعتبروه عدواناً على دولة ذات سيادة كاملة، وعلى هذا الأساس فلا بد من أخذ جانب الحذر واليقظة تجاه اللعبة الأمريكية الجديدة.

* كاتب من العراق

print

مقالات ذات صله