آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

بدر شاكر السيّاب.. الذي صنع من طين العراق أنشودة للمطر

علي الرّاعي ـ تشرين أونلاين:

“إني لأعجبُ؛

كيف يُمكنُ أن يخونَ الخائنون،

أيخونُ إنسانٌ بلاده؟”

ربما من حسن حظ الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب (1926-1964) أنّ القدر قال كلمته باكراً بحسم عمره قبل أن يشهد مواسم الخيانة الكبيرة للخائنين لبلادهم في البلدان العربية، وإلا كيف كان يُمكن أن تكون حياة هذا الشاعر المُفعم حساسية، وهو الذي عاش ليشقى، كم ستكون حياته شقاء على شقاء في فسحة عمر لم يعرف خلالها من الفرح إلا قليلاً، ربما كان بهذا الملاذ المجازي الذي لجأ إليه فكان “بيت القصيد” الذي آمنه من خوف وفقر ومرض.

مناسبة هذا التمهيد؛ هو الكتاب الصادر ضمن سلسلة أعلام ومبدعون عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب – وزارة الثقافة، كتابة بيان الصفدي، الذي يسرد حياته كحكاية شائقة رغم كثرة الحزن والدواهي التي أصابت هذا الشاعر الاستثنائي الذي فتح مع شعراء آخرين دورياً جديدة في مسيرة القصيدة العربية عندما كان من الرواد الذين عملوا على تحريرها من قيود القافية والتفعيلات المُحددة، أي قصيدة التفعيلة التي شكلت العتبة الأولى لقصيدة النثر لتُحلق في فضاءات المجاز الواسعة.

هذا الشاعر – كما يروي عنه – بيان الصفدي الذي سيُحدد قوله الشعري بشواغل شكلت هواجس لديه، ولعلّ أولها هذا الهيام بوطنه العراق، ثم بالتوجه صوب المُعذبين في الأرض. هذه الشواغل التي كان لها قاموسها الشعري الذي شكله الشاعر من مفردات من حوله، لاسيما من بيادر طفولته: القرية، والنهر، وبصرى وبغداد، ثم تنقلاته القليلة في بعض الدول المجاورة والأوروبية التي كان يتعالج في مشافيها على أثر مرضٍ غامض ألمّ به، ووضع حدّاً لحياته وعذاباته التي بدأت منذ سني عمره الأولى عندما فقد أمّه في عمر ست سنوات ليعش في كنف جده وجدته، ولم تمض الأيام طويلاً حتى فقد الأخيرة لعيش الأيام موحشة وباردة وخالية من الدفء العاطفي.

“الشمسُ أجمل في بلادي من سواها،

والظلام – حتى الظلام- هناك أجمل،

فهو يحتضنُ العراق.”

سنة 1926؛ ستشهدُ منطقة “شطّ العرب” ولادة بدر شاكر السيّاب، في منطقة غابات ممتدّة من النخيل، وذلك في قرية اسمها “جيكور” هذه القرية الغامضة التي ستنافس بالحضور كبرى مدن العالم، عندما تصير هذه القرية شهيةً في قصيدة السيّاب، وكما الكثير من المبدعين سيعلو اسم المكان – مسقط رأس المبدع حتى يصير مزاراً لكل من عشق قصيدة السيّاب واستطاع إلى زيارة العراق سبيلا. وفي القرية ثم البصرة وبغداد سيكمل الشاعر تعليمه، وفي الصف الأول ثانوي سيظهر نبوغاً لافتاً بعد كتابة أشعاره الأولى التي بدأت بالعامية سرعان ما هجرها إلى الفصحى، وأما الذي جعله الأكثر شهرة؛ فهو قصب السبق الذي حققه في الانعطافة بالقصيدة العربية التقليدية صوب قصيدة التفعيلة، ومن ثم كان له أهم مجموعتين كرستا قوله الشعري:”أنشودة المطر وشناشيل ابنة الجلبي”.

“وهبّت الريحُ من الغربِ

تحملُ لي دربي

تحملُ “جيكور” إلى قلبي

يا ريحُ يا ريحُ!

توهجت فيكِ مصابيحُ.”

في مختلف أشعار السيّاب؛ كان الظلم خصمه اللدود، سواء ظلم ذوي القربى من أبناء وطنه الذين أدمنوا الفساد وتجويع العباد، أو المستعمر الذي ينتظر مثل هذا الخلل الاجتماعي ليدخل من البوابات والخواصر الرخوة لينهش مع الفاسدين الوطن، لكلّ هؤلاء شرّع السيّاب صفحاته، وكان عليه أن يدفع ثمن ذلك طرداً من الوظيفة، ومن ثمّ التكيف مع الفقر الذي كان عليه أن يتخيله دائماً رجلاً ليقتله.

“بأقدامِ أطفالنا العاريه

يمينا، وبالخبز والعافيه

إذا لم نُعفّر جباه الطغاة

على هذه الأرجل الحافية؛

فلا ذكرتنا بغير السباب

أو اللعن أجيالنا الآتية.”

print

مقالات ذات صله