آخر تحديث: 2018-06-20 17:42:23

عاجل

الواقعية الدرامية والفن الملتزم

سمير المحمود ـ تشرين أونلاين:

من المتفق عليه لدى الكثير من المتابعين والمهتمين أن العقل التجاري الذي يحكم المجال الإبداعي بنسقه التلفزيوني في البلدان العربية بشقيه الرسمي والخاص أدى في كثير من الأحيان إلى مضاعفات سلبية غير مقبولة أقلّها إعطاء فكرة غير صحيحة عن المجتمع المصدر للمنتج الدرامي، وبالتالي أدى هذا الفعل غير المسؤول إلى الكثير من المزالق من حيث تكوين رؤية ملتبسة ومزورة عن الواقع ببعديه؛ الجزئي والكلاّني..

وبالطبع فإن السبب في هذا الأمر يعود إلى أنهم تجاهلوا أو هم بالفعل يجهلون أن إحدى أهم الخاصيات التي يجب أن تتسم بها أية مادة درامية تقدمها شاشات التلفزة وما يرافقها من حمولات إشارية وتأويلية هي أن تأتي متوافقة ما أمكن مع أصول نظرية المحاكاة الواقعية، سواء واقعية الشخوص أو النماذج أو الأنماط أو الأحداث ضمن إطار الممكن والمحتمل من حيث النتيجة الاستدلالية في حبكة وبنية أي عمل.

وهذا العيب المشين في الإنتاج ربما يعود بالأساس إلى أن المعضلة ما تزال تكمن إلى حد ما في فهم الواقع كخطاب درامي، وأي مدقق متأمل لابد أنه قد لمس هذا الأمر من خلال ما ظهر على السطح الكثير من الأعمال التي تدل بشكل أو بآخر إلى هذه الملحوظة، وبالطبع فإن الحل يكمن بوجوبية الاشتغال على إعادة النظر في العلاقات القائمة ما بين المتخيل والتصوير من جهة وما بين اللغة الدرامية والواقع من جهة أخرى بغية الوصول إلى وحدة الشكل الدرامي والمضمون الدرامي، باعتبار وحدة الشكل والمضمون في الدراما هي بالنتيجة وحدة أسلوبية في الخطاب التلفزيوني كظاهرة اجتماعية، فليس بخفيّ أن أي عمل تلفزيوني وخاصة الدرامي الذي يتم تقديمه مهما كان ترفيهياً هو اجتماعي بالدرجة الأولى في كل مجالات وجوده وفي كل عناصره بدءاً بالصورة والكلمة وانتهاء بالتصنيفات الدلالية الأكثر تجريداً.. وبالتالي في حال كانت بعض الجهات لا تستطيع أن تتخلى عن إنتاج ذلك النسق من الفانتازيا التي تصب في الإطار المتخيل سواء كان تاريخياً أو اجتماعياً فلا بد لهم بالضرورة وقبل البدء من العمل على قراءة تعتمد فهم ذلك الواقع المتخيل كإمكانية واحتمال وفق تصور يراعي امتدادات صيغته الدالة المرتبطة بالآني المنبثق عن ذلك الأصل.

وهنا يقع على عاتقهم النظر إلى البنية المجتمعية الزمانية والمكانية لا بوصفها نمطاً وتشكيلاً للعلاقات الخارجية فقط بل بوصفها مرصداً لمنعطفات التضاد والمفارقة وتعدد المصائر وتشابكها، صحيح أن أساليب صناعة أي عمل درامي من حيث الشكل أحياناً تتعرض لمناوبات من التبدل والتولد تبعاً لطبيعة الحدث المرصود والفكرة القصدية المنظورة، إلا أنه يجب علينا أن لا ننسى أن الشكل الدرامي هو أداة منتجة لما يمكن تسميته بجدل التلقي عند المشاهد، فالشكل الدرامي هو بالضرورة مضمونه والمضمون هو شكله في الآن عينه، فهذا يعد شرطاً أساساً في الصناعة الدرامية، حيث لا بد أن يكون هناك جهد حقيقي يتمثل في الحرص على إنتاج خطاب درامي مواز للممارسة الإبداعية بكافة أجناسها وأنساقها الأدبية والفنية والعمل ما أمكن على محاكاة الواقع المعيش بأسلوبية موضوعية، مبتعدين ما أمكن عن الهذر والتخييل الفصامي المنفصل عن التاريخ والواقع والمترف بخلاعة الفانتازيا اللامسؤولة.

فمما لا شك فيه ومهما اختلفنا علينا أن نتفق على أن الفن الكبير هو نفسه الفن الهادف الذي يتبنى قضايا الوطن والأمة بأعلى درجات المسؤولية، وبالتالي الفن الجاد والملتزم هو الفن الذي يتيح للإنسان إمكانية تأمل واقعه ومصيره وردود فعله إزاء الأحداث المحيطة به، وتقييمها من أجل الخروج باقتراحات إيجابية ومجدية ومفيدة؛ فكراً وسلوكاً وممارسةً.

print

مقالات ذات صله