آخر تحديث: 2018-04-27 00:22:29

عاجل

حلم الدولة ومصيرها في لبنان … على مسؤوليتي .. بقلم: هاني إدريس

في كل خطاب لدى الفرقاء في لبنان هناك حديث عشق نادر حول الدّولة..هي المثال الأعلى الذي يستند إليه حتى أعتى الفرقاء تناحراً في حلبة السياسة..يحضر هاجس تحقيق الدولة لدى 14 آذار كما لدى 8 آذار عند تبادل الرسائل والمنابذات..لكن في الميدان لا يوجد شيء يوحي بأنّ الدولة بالمعنى الحقيقي في لبنان هي أمر وارد في الأفق المنظور وذلك لأسباب سأحللها هنا وعلى مسؤوليتي..لكنها تبقى حلماً قابلاً للإنجاز إنما في سياقات وشروط معيّنة.
لا يكفي أن أكون رجل قانون لكي أستطيع بناء دولة من خلال وجود تعريف للدولة قابل للهضم..لقد تشكّل المزاج اللبناني عبر عهود كثيرة على شكل من الفوضوية التي أسميها الفوضوية المتعايشة مع تدبير الدولة بوصفها تصريف أعمال مستمرة..الدولة هنا هي تحت كل أشكال المصالح، والتوافق هو اللحظة الحرجة في قواعد الاشتباك السياسي اللبناني..الدولة هنا لها تعريف مفارق..هي الدولة الفوضوية نفسها..يصار إلى التوافق دفعاً لخطر الكيان لا طلباً للدولة..علينا أن نتذكّر أنّه لا يوجد مجتمع يستطيع أن يتفوّق على لبنان في هذا الفنّ..الفوضوية كفنّ للعيش من دون دولة..لكن لا شيء يوحي بأنّ في لبنان هناك خطاب دولتي متفوّق..كل ما يجود به المعجم السياسي اللبناني هو تحت الإيقاع المنطقي لمفهوم الدّولة الحقيقية..وليس وحده الشعب المسؤول عن ذلك ولا حتى طوائفه التي تشكل ورقة سياسية في غياب الدولة، بل هي مسؤولية نظام عالمي..
الدولة هنا خداع لأنه لا مكان للفوضوية في النظام الدولي..تحمي الفوضوية اللبنانية نفسها بالتمترس خلف الدولة..غياب الدولة في لبنان ليس ضعفاً بل أحياناً هو مصدر قوتها..أي مصير كانت ستواجهه المقاومة فيما لو كانت الدّولة حقيقية في لبنان؟
لم يحظ لبنان بدولة أبداً..وكان في إمكانه أن يكون نقطة جيوبوليتيكية قوية في حال نشوء الدولة العربية الكبرى..وحده لبنان إما أن تكون الدولة عربية موحدة أو لا يكون..ومع إجهاض هذا الحلم القومي وتحول الدولة القطرية إلى حقيقة على الأقل في هذه المرحلة التاريخية وجد لبنان نفسه في منعطف..ذلك لأنّ الصيغة الممنوحة للدولة اللبنانية منذ عهد الانتداب هي صيغة للبنان الوظيفي في معادلة «سايكس بيكو» والنظام الجديد يومها للشرق الأوسط، والذي حدث هو أن لبنان تمرّد على تلك الوظيفة واستطاع أن يتحرر لكن بقي مشوار الدولة مرتهناً لمخلّفات التوزيع الإمبريالي للجغرافيا السياسية العربية..
يقولون إنّ الدولة هي حصيلة توافق..وأستطيع أن أؤكّد أنّه إذا كانت الدولة في لبنان تستطيع أن تحقق وجودها الحقيقي بالتوافق فهذا يعني أنها لن تقوم البتّة..لا المحيط الإقليمي ولا الدولي، فضلاً عن الهندسة السوسيو-اقتصادية الطائفية، تقبل بوجود دولة لبنانية قويّة..هذا الكائن الفينيقي الساكن في أحشاء الهابتوس السياسي اللبناني هو كائن عاش على قواعد الدولة ولكن بمزاج غير دولتي..كائن تشكلت دولته في السفن التجارية ويستطيع تدبير وجوده من خارج الدولة..كائن عابر للتخوم..في تاريخ نشأة الدولة لا توجد دولة قامت على التوافق قطّ..التوافق يأتي بعد نشأة الدولة..يحتاج لبنان أن يتغير حوله الإقليم والنظام الدولي لكي يستطيع الحديث عن دولة بالمعنى المتعارف عليه..بل إنّ أصل الدولة أن تأتي قهراً..الدولة تفرض على الوجود الجماعي ثم يأتي التوافق على تفاصيل تصادم المصالح..الدولة تصبح الكائن الأنطولوجي الأوّل في الاجتماع السياسي فيرى المجتمع نفسه من خلالها، وهو ما لم يتحقق في لبنان حتى الآن..القضية أبعد مدى من مفهوم الحرّية والاستثناء الأنطولوجي للكائن بوصفه كائناً سياسياً..القضية في لبنان تتعلّق بمسار تاريخي لإعاقة نشوء الدولة، بل إنّ لبنان كان على وشك أن يكون مصيره هو مصير فلسطين ذاته فيما لو يحصل التوافق الإمبريالي على تقاسم النفوذ..ماذا لو كان لبنان تحت الانتداب البريطاني مثل فلسطين؟ أليس حلم ما يسمى«إسرائيل الكبرى» يمتدّ إلى لبنان؟ ولماذا الحرب على لبنان باتت طقساً عدوانياً للكيان الصهيوني على لبنان؟
حتى العقد الاجتماعي هو أكبر مقاربة خرافية لنشأة الدولة..لأنه لم يوجد في الزمان ولا في المكان هذا التوافق الذي يقيمه راولز على أساس «حجاب الجهل»..في البدء كانت الدولة معطى تاريخياً مستبدّاً بطبعه..وفرق بين استبداد ينشئ المؤسسات واستبداد يكرس الفوضوية، أي استبداد من دون مؤسسات..بناء المؤسسة القوية يتطلّب رهاناً «قوويّاً» وليست معطى للتوافق ولاسيما بعد أن تتراكم ثقافة الفوضوية حيث يستحيل انبعاث ضمير الدولة من الفوضى بوساطة التوافق الأسطوري..
إنّني أعني ما أقول..ففي تجربة المقاومة اللبنانية حصل تحوّل في المزاج السياسي..لأنّ الفوضوية كانت دائماً ضدّ صرامة تدبير مؤسسة المقاومة..أقصد بمؤسسة المقاومة هو أن المقاومة لم تعد متوقفة على مرحلة أو شخوص أو ارتهانات بل باتت مؤسسة، وهذا ما منحها بنية مختلفة ومنيعة يصعب تفكيك شيفرتها ..أي إنّ مأسسة المقاومة التي تحوّلت إلى تعويض تاريخي عن الهشاشة الدولتية هي مصدر قوتها ومصدر ثقة الشعب بها..إحدى الأدوار التي أتمنّاها على المقاومة اللبنانية هي المضيّ بمنجزاتها لتحقيق حلم الدولة اللبنانية..فخلال سنوات مضت كانت المقاومة اللبنانية هي عامل استقرار سياسي وعنصر تحرر وطني وكذلك في الأداء الحكومي كانت هي الأكثر حكمة في تدبير الشأن العام عبر النّقاش والتوافق الممكن..أعتقد أنّ المقاومة هي حدث تاريخي في لبنان في إمكانه أن يحقق التحول المنشود في العقليات ويمنح الدولة القوية معناها في لبنان..إنجازات المقاومة تصبّ في بناء الدولة..فالمقاومة هي التي تؤثّث الأرضية الضرورية لقيام دولة حقيقية في لبنان: حماية التراب الوطني، المشترك في هوية الشعب، التأسيس لنظام توافقي يحكم بالنقاش في القضايا الوطنية، حيث وحدها المقاومة في لبنان لم تغلق باب الحوار إلا فيما ليس موضوعاً له كالدفاع عن أمن البلد واستقراره فضلاً عن تحقيق هيبة لبنان وتقويض معادلة «قوة لبنان في ضعفه»..
ونستطيع تأسيس شكل من العمران البشري اللبناني القائم على قاعدة أنّ غاية المقاومة هي الدولة، فالذين يدعون المقاومة إلى نزع سلاحها والعودة إلى الدولة بشروطها الهشّة إنما يكونون في وارد الرّدة إلى عصر الفوضوية والضعف..إنّ الدولة اللبنانية تنشأ اليوم على إيقاع المقاومة حيث لا حديث عن ذوبان المقاومة إلاّ في دولة بشروط قويّة..والمقاومة لن تسلّم سلاحها إلاّ لدولة ستكون هي أهم عامل في بنائها..لا يمكن للمقاومة أن تندمج في دولة بشروط الهزيمة..على الدولة أن تحقق انتصارات ترفعها إلى مستوى مقاومتها الشعبية..هذا هو الشيء الذي يخيف خصوم لبنان وفي مقدمتهم «إسرائيل» التي تفعل كلّ ما يخدم الفوضوية في لبنان وكلّ ما يخدم دعاتها..إنّ الدولة اللبنانية بمواصفات تاريخية متينة ستنشأ على هامش المنجزات الكبرى للمقاومة لكونها ثمرة كفاح شعب استطاع أن يخرج من تحت شروط الدولة الضعيفة ليستعيد المبادرة ويمنح أملاً بلبنان مختلف تتحقق فيه الدولة بقوة المقاومة التي ستشكل أداة الشعب في حماية رهانه نحو الدّولة الحقيقية..لقد علّقت المقاومة نزع سلاحها على شرط قيام الدّولة القوية، وأحسبه اشتراطاً تاريخياً في محلّه..

* كاتب من المغرب

print

مقالات ذات صله