آخر تحديث: 2018-05-27 22:22:18

عاجل

سورية وصمودها المستمر .. بقلم: تحسين الحلبي

سيسجل تاريخ نشوء الدول وتطورها الوطني والقومي أن سورية كانت من بين الدول المميزة التي لم تسمح للقوى الاستعمارية الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أن تهيمن عليها وتصادر قرارها المستقل وتحولها إلى «دولة تابعة» منذ استقلالها في عام 1946 في القرن الماضي وحتى هذه الألفية الثالثة، ولا شك في أن العدوان الثلاثي الحديث على سورية من هذه الدول الاستعمارية الإمبريالية شكل في هذا القرن الجديد وطبيعة سير توازن القوى المتحول باتجاه معاكس لقدرات هذه القوى الثلاث أقصى ما يمكن من عمليات التهديد والعدوان من دون أن يحقق أهدافه .
وهذه الحقيقة لا ينكرها الكثيرون من الكتاب والمحللين السياسيين في أوروبا والعالم، ففي 12-نيسان الجاري نشرت الكاتبة كيتلين جونستون وهي مؤلفة كتاب (استيقظوا أمام الدليل الميداني للأخطار الموهومة) في المجلة الالكترونية «كونسورتيوم نيوز» المتخصصة بالتحقيقات السياسية مقالاً جاء فيه: «إن الولايات المتحدة سعت الى السيطرة على سورية منذ عام 1949»، أي قبل سبعين عاماً، حين بدأت وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) بإعداد انقلاب على القيادة المنتخبة في سورية، وهذا ما اعترف به مايلز كوبلاند ضابط المخابرات الأمريكي صاحب العلاقة في عام 1969.
ومنذ ذلك الوقت، حتى هذه اللحظات لم تتوقف الإدارات الأمريكية عن استهداف سورية بكل أشكال التهديد والعدوان تنفيذاً لخططها الهادفة إلى  تغيير الأنظمة المستقلة المناهضة للهيمنة الإمبريالية. وتكشف جونستون في مقالها أن «رونالد دوما وزير الخارجية الفرنسي سابقاً قال علناً لمحطة إذاعة فرنسية (إل سي بي): إنني كنت أعرف بأن سورية سيعد لها عنف داخلي منذ عام 2009 حين كنت في بريطانيا في ذلك العام والتقيت عدداً من المسؤولين هناك، وقال بعضهم لي إنهم يرتبون شيئاً في سورية وهو إعداد غزو مسلح ضد الحكم  على يد «متمردين» وسألوني- رغم أنني لم أكن وزيرا للخارجية عما إذا كنت راغباً في المشاركة فقلت لهم إن هذا لا يعنيني». وتضيف جونستون: «في 13 /12/2006 نشر موقع ويكيليكس برقية أمريكية تكشف أن «واشنطن تفتش عن نقاط ضعف في حكومة الرئيس بشار الأسد لاستغلالها من أجل تقويض الحكم، وأن وليام رويباك أحد الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية في دمشق ردّ ببرقية أشار فيها إلى عاملين أحدهما: المسألة الكردية السورية، والثاني يتعلق بدور الإسلاميين المتشددين ».
وإضافة إلى ذلك، كان موقع مجلة (تروث آوت) الإلكتروني قد نشر في عام 2015 تفاصيل أكثر، بموجب مقال جونستون المذكور، تتحدث عن رغبة واشنطن بأن يجري البحث عن «طرق تؤدي إلى إمكانية تقويض العلاقة بين سورية وإيران».
وتضيف جونستون: إن الجنرال الأمريكي ويساي كلارك الذي تقاعد عام 2000 قال علناً في عام 2007 لقناة أمريكية اسمها (ديموكراسي ناو) – الديموقراطية الآن- تعود لعام 1996 وتديرها الإعلامية الأمريكية المناهضة للحروب الأمريكية، آمي غودمان، أنه «سمع  بعد عشرة أيام من أحداث 11 أيلول عام 2001 من أحد زملائه الذين كان يرأسهم أن القرار اتخذ بشن الحرب على العراق وست دول أخرى من بعده وهي سورية ولبنان والصومال والسودان وإيران، وأن زميله قال له إذا كانت الأداة الوحيدة التي تريد استخدامها هي المطرقة فإن كل مشكلة تظهر ستصبح مسماراً تطرقه».
في السنوات الأولى من الألفية الثالثة كان الرئيس بوش الابن لا يرى أمامه سوى القوة العسكرية الإمبريالية الوحيدة التي لا يمكن لقوى أخرى الوقوف في وجه حروبها، فاحتل أفغانستان في تشرين الأول 2001 ثم اتجه نحو العراق في آذار 2003 ثم هدد الدولة السورية بعد احتلال العراق، لكن الرئيس الأسد لم يأبه بالتهديدات العسكرية الأمريكية التي حملها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، وصمدت سورية أمام التهديد بقيادتها وجيشها وشعبها، وكذلك أمام مؤامرة اغتيال الحريري في شباط 2005 وأحبطت أهدافها، واستمرت في وقوفها إلى جانب المقاومة اللبنانية حين بدأت «إسرائيل» بعدوانها على لبنان في تموز 2006 تمهيداً لفرض الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية على كل المنطقة، وتمكنت المقاومة اللبنانية ـ بدعم سوري وإيراني ـ لم يتوقف من إحباط آخر أشكال التهديدات الأمريكية في ذلك العام.
وهاهو التاريخ يسجل لسورية  في نيسان 2018 إحباط أكبر التهديدات التي حملتها أقدم وأكبر ثلاث قوى استعمارية  في تاريخ العالم، وما زالت المعركة مستمرة وما زالت القدرات العسكرية والسياسية والشعبية والتحالفية في سورية تزداد وتتعاظم قوة وصموداً مع كل إنجاز وانتصار.

print

مقالات ذات صله