آخر تحديث: 2018-05-26 21:17:41

عاجل

الملكيّة كنموذج حكم رجعي.. وهل من ديمقراطية في زمن «الشركات العملاقة»؟! .. بقلم: السيد شبل

تمجيد بعض الشباب العربي للأنظمة الغربية، يثير كثيراً من الاستياء، نظراً لأن تلك الأنظمة في الأساس معادية لنا: تقصف بلادنا، وتنهب ثرواتنا عبر الاحتكاريات الكبرى، وتدعم الكيان الصهيوني المغروس في أرضنا، كذلك هي مسؤولة عن تعويم تلك القوى السلفية الطائفية اليوم بشكل مباشر وصريح أو عبر وكلاء في عواصم الخليج، لكن المسيء في حالة «التمجيد المجاني» تلك، لا يتوقف عند هذه النقاط بل يمتد إلى أن محاولات الاستنتساخ الأعمى لتلك الأنظمة تعني استنساخ حزمة من أفكار الإدارة السيئة، أيضاً، واللاديمقراطية بالتأكيد، على الأقل حين نتحدث عن نظم ملكيّة من النوع الذي تحكمه «إليزابيث الثانية»، والملكية إلى اليوم منتشرة في أوروبا، حيث توجد (12) مملكة سيادية في هذه القارة!!.
ما تكتشفه حين تقرأ ما نشرته البي بي سي تحت عنوان: «ما هي صلاحيات ملكة بريطانيا؟»، هو أنك بصدد حزمة من النصوص التي تجعل الجالس على العرش شخصية فوق البشر، ومستثناة من القانون، وله امتيازات سلطوية ضخمة، ورغم مجهودات الموقع الإنكليزي في التقليل من صلاحيات الملكة، والتشويش عليها، لدفع القارئ للتسامح مع هذا النمط الرجعي للحكم، إلا أن كل هذه المجهودات تضيع هباء عندما تصطدم بنص من هذا النوع: ((بموجب القانون البريطاني، تعد الملكة فوق القانون، ولا يمكن مقاضاتها أبداً، كما لا تمكن محاسبتها في القضايا المدنية)).
تعليقاً على مثل هذا النص، يقول أنصار النظام الجمهوري في بريطانيا (مجموعات ضغط معارضة): إن وجود امتيازات ملكية من هذا النوع يعطي انطباعاً عاماً للبلد بالتخلف، ويرسخ لدى الشعب إحساساً بالدونية، نظراً لاعتياده وجود عائلة مميزة، لدرجة أن رأسها (فوق القانون)، وكل ملك جديد يحصل على هذا الامتياز، رغم أن إنجازه الوحيد في الدنيا هو أنه وُلد لهذه العائلة، أي إنه في الواقع بلا أي حسنة إضافية، إلا إذا كنا نتناوله من «زاوية عنصرية»!.
كما أن هذا الأمر يُعدّ نفياً صريحاً للديمقراطية، بعد أن صار الحكم وراثياً بنصوص قطعية، والشعب لا ينتخب رئيسه، بل ليس مدعواً حتى لأداء هذه المهمة، وحتى الجمهوريات التي تُزوَّر فيها الانتخابات تُحترم فيها الشعوب أكثر من ذلك.
(إذا أضفنا أنه حتى انتخاب رئيس الوزراء في المملكة المتحدة محكوم بمصالح الشركات الكبرى هناك، فهي التي تموّل الحملات الانتخابية، وبهذا تضمن عدم خروج الفائز عن مجالها.. فنكون بصدد نفي صريح لجوهر الديمقراطية).
ويقول هذا الفريق المعارض، أيضاً، إن تخفيض صلاحيات الملكة لا يعني اختفاءها، فهي لا تزال تتمتع بصلاحيات مؤثرة، ووجود أشياء مثل «الامتياز الملكي» و«مجلس الملكة الخاص» يسمح لرئيس الحكومة ونخبة من المستشارين بتخطي البرلمان تماماً، وشن حروب أو توقيع معاهدات أو سن تشريعات، بالاعتماد على صلاحيات الملكة التي تُمنح لهم.
كما يُطلب من الشعب استقبال العائلة المالكة باحتفاء معين، وشيء أقرب للخضوع، وهذا لا يمكن تفسيره منطقياً في القرن الحادي والعشرين، إلا إذا كنا نتحدث بلغة العصور الوسطى أي عن «الحق الإلهي» الذي تمنحه السماء، مشيرين إلى أن لهذا الأمر أثراً بالفعل عند مؤيدي الملكية من المتعصبين دينياً، والذين يباركون كون الملكة هي رأس الكنيسة في البلاد، وأن هناك فوائد متبادلة، وهذا يتنافى مع مبدأ المواطنة وحيادية الدولة.
كما يلفتون النظر إلى أن هذه الأبّهة التي تعيش فيها الأسرة الملكية، هي من أموال دافعي الضرائب، الذين يقدمون أموالهم لإسعاد أسرة لتحكمهم أو تلعب دور الرمز، ولو أن هذا الرمز يمكن أن يكون جندياً في معركة أو فناناً مؤثراً أو عالماً ناجحاً. ويشيرون إلى أن أراضي وأملاك العائلة ذاتها، تنحدر من عمليات سلب ونهب ووضع يد وإقطاع قديمة، حين كانت أشياء مثل القهر والمكر هي التي تحكم، أو نتيجة فساد معاصر.
كذلك يسخرون من أن الشعب الإنكليزي تحكمه السيدة ذاتها مدة 66 عاماً، منذ شباط 1952، إضافة لذلك يقف اليوم ليهلل لطفل صغير هو «جورج وليام تشارلز»، الذي له من العمر أربع سنوات، نظراً لأنه أمير كامبردج الجديد!!، وهذا الطفل، يستحق أن ننظر له بحنوّ، وأن نلعب معه في الحدائق، لا أن نبجّله كملك… إنها حقاً مسخرة!!.
ويُذكر أن إليزابيث الثانية ليست ملكة المملكة المتحدة (إنكلترا، ويلز، اسكتلندا، أيرلندا الشمالية) فقط، بل هي ملكة على كندا وأستراليا ونيوزيلندا أيضاً، لهذا تخلو هذه الدول من منصب الرئيس، ويوجد فيها رئيس وزراء فقط، للقيام بالمهام التنفيذية، بينما تعين الملكة حاكماً عاماً ليمثلها هناك ويتم منحه مجموعة من السلطات، إضافة لذلك تتبع المملكة المتحدة أقاليم ما وراء البحار وعددها 14 إقليماً، مثل: (إقليم جبل طارق في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية عند مضيق جبل طارق، وجزر العذراء والكايمن والتركس والكايكوس في البحر الكاريبي، وجزر الفوكلاند التي تطالب بها الأرجنتين، وقاعدتان بالأراضي القبرصية، وجزر في المحيط الهندي والأطلسي..إلخ)، كذلك فإليزابيث ملكة دستورية على عدد 16 دولة من الدول الموجودة في اتحاد الكومنولث، فبالإضافة للمملكة المتحدة كندا وأستراليا ونيوزيلندا، هناك 12 دولة أخرى نالت استقلالها إلا أن اليزابيث لا تزال ملكة عليها مثل (جامايكا، وجزر سليمان، بربادوس، باهاماس..)، وهذه الدول الصغيرة، أغلبها في البحر الكاريبي أو في المحيط الأطلسي بالقرب منه، وبعضها في المحيط الهادي بالقرب من أستراليا.
أما بخصوص اختيار رئيس الحكومة في بعض البلدان الغربية كبريطانيا، وسلطة اتخاذ القرار هناك، فكان البروفيسور كمال مجيد، قد أشار في مقال مطوّل لتلك القضية رابطًا إياها بسلطة الشركات العملاقة، نقتبس من مقاله هذه الفقرات، كختام يحدد النقاط فوق الحروف: «هناك المثل البريطاني المشهور: لا ضريبة من دون التمثيل» أي إن دافعي الضرائب يلحون على أن يكون لهم حق التمثيل في الحكومة والبرلمان لكي يسيطروا «على مراكز اتخاذ القرار».
وفي البلدان الرأسمالية تجمع الدولة أغلبية ضرائبها من الشركات العملاقة التي تسيطر على خيرات البلدان الأخرى وتنقل ثرواتها، كالنفط، وتبيعها في مختلف أنحاء العالم وتجمع البلايين من الأرباح. هذه الشركات تقدم قسماً من هذه الأرباح إلى حكوماتها لكي تقوم الحكومة بمساعدتها في الإكثار من أرباحها. وفي أحيان عديدة تضطر الدولة إلى القيام بالحروب لقهر الشعوب الضعيفة التي ترفض الشركات الرأسمالية الأجنبية.
ففي بريطانيا، مثلاً، تدفع الشركة العملاقة 23% من جميع أرباحها السنوية كضريبة للحكومة، كما تدفع حصتها السنوية ضماناً اجتماعياً لعمالها ومستخدميها وأنها ملزمة بأن تدفع حصتها السنوية من نفقاتهم التقاعدية، ثم أنها تنقذ هؤلاء من البطالة وهم بدورهم يدفعون الضرائب للحكومة. وهناك قائمة طويلة من فوائد الشركات للدولة…
وفي طبيعة الحال يتم ترشيح كبار حملة أسهم الشركات «من المتعلمين والخبراء» كنواب في البرلمان ويتم اختيار مديري الشركات كوزراء يقررون تصرفات الحكومة بصورة مباشرة. ويشير البروفيسور جورج مونبيو إلى 43 ثرياً من الوزراء وكبار المسؤولين في حكومة توني بلير. بينهم وزير التجارة ووزير الزراعة ووزير الخزينة، واللورد سايمون رئيس شركة النفط البريطانية كوزير التجارة والمنافسة في أوروبا….الخ.
والجدير بالتشديد أن الشعب في البلد الرأسمالي لا يختار أعضاء البرلمان! بل يتم هذا الاختيار من قبل الأحزاب. ففي بريطانيا هناك ثلاثة أحزاب كبيرة في البرلمان لا فرق بينها في معاملتها تجاه الشركات العملاقة ـ وينال كل حزب معظم ماليته من كبار الأغنياء، وبعد اختبار وتمحيص طويلين، عبر اللجان الحزبية المختلفة، يختار الحزب، لا الشعب، مرشحيه قبل الانتخابات بأشهر. وليس للناخب سوى حق القبول بأحد المرشحين، يملك معظم النواب في البرلمان البريطاني الملايين قبل أن يتم انتخابهم. ويتحول العديد من النواب الآخرين إلى أغنياء بمساعدة الشركات العملاقة. من المفيد أيضاً التذكير بقيام توني بلير بمنع ترشيح عدد من اليساريين، بل طرد النائب جورج غالوي من حزب العمال.
والمراقب لجلسات البرلمان البريطاني يلاحظ أن الأعضاء يناقشون القضايا الداخلية ويتركون السياسة الخارجية والعسكرية للحكومة.
والأهم من كل ما ورد هو أن لرئيس الوزراء الحق في أن يدخل في الحرب بصورة غير شرعية من دون إشراك البرلمان في أخذ القرار. وهذا ما حدث حين بعث توني بلير بجيشه إلى سيراليون وإلى كوسوفو من دون أخذ موافقة البرلمان، أو تنفيذ أي قرار من مجلس الأمن. وفي الحالات النادرة التي يختار الرئيس مناقشة حرب ما في البرلمان، كما حدث قبل احتلال العراق في 2003، يقف معظم نواب العمال والمحافظين إلى جانب رئيس الوزراء. والسبب هو أن الأغلبية الساحقة من النواب يؤمنون بأن قهر الشعوب التابعة واستعمارها وسيلة ناجعة لثراء بريطانيا..)). انتهى.
الصحيح أننا بحاجة للدفع نحو الإصلاح والتغيير في بلادنا، لكن النماذج التي يتم التسويق لها، وتمر من دون تدقيق، تعني الانقلاب على الرأس في الحقيقة، والتراجع للخلف، فمن اللازم أن يكون الدفع دوماً باتجاهات تقدميّة، كما تضمن تمثيلاً حقيقياً للشعب الكادح، وليس للنخبة التي تملك الثروة وتطمح للهيمنة الكليّة، وهذه الأقلية الماليّة في الحالة العربية سيكون ضررها مضاعفًا لأنها، في الأغلب، تابعة ووكيلة لقوى أجنبية في الأساس.

* كاتب من مصر

print

مقالات ذات صله