آخر تحديث: 2018-05-26 21:17:41

عاجل

عن زيارتنا للسيد الرئيس بشّار الأسد .. بقلم: إدريس هاني

تستحقّ الزّيارة الأخيرة مقاربة أبعد مدى من مجرد تغطية صحفية، إنها لحظة تاريخية مفصلية لتولّد بنية الانتصار، نحن في مخاض، لقد رشحت البنية العربية الفاعلة- داخل بلازما إقليمية ودولية لزجة- أبطالها ورموزها ليفهرسوا مراحل الانتصار.. حينما كنت أتحدث عن بداية انفراج المسألة السورية سابقاً كنت أعني انفراج بنيةٍ اكتشفت تموضعاً آخر في جغرافيا سياسية هي الأخرى منتج لتصدع البنيات في نظام عالمي يعكس علائق تناقضية أكثر مما يوفر قوانين تحكم الاجتماع الدولي على أساس العدالة، في حضرة قائد يتحمّل الوجه الآخر في معادلة صعبة.
ولد بشّار الأسد في بيئة كفاح وحلم بحق عربي في الانبعاث الحضاري، لكن هذا الحلم انبثق في منطقة الامتلاء الإمبريالي، في قلب الثروة العالمية المادية والرمزية.. الشرق الأوسط هكذا حتى لا يقال الأمة العربية، لأنهم جزّؤوها لتستجيب للتقسيم الإمبريالي للثروة..
ولد أبو حافظ في بيت حافظ.. عنيد في رباطة جأش.. بعيد المدى.. لاعب سياسي ماهر في قلب لعبة أمم استُكملت قواعد اللعب فيها خارج المنطقة.. كل تقاليد اللعب الموروثة من عهد لورانس العرب تحطمت على أبواب دمشق.. غيّر حافظ الأسد قواعد اللعبة والاشتباك.. ورث بشّار هذا الإرث الحافل بالإنجازات، ورث كل شيء، حتى الكراهية التي كرسها غباء «الإخوان»، حتى خصوم حافظ الأسد الاستراتيجيون لم يجدوا بُدّاً في الاعتراف بأنهم أمام حكيم السياسة، ذلك لأنهم عرفوا كيف كان يغلق عليهم الأبواب ويفتحها بوعي جيوستراتيجي فائق الاستشعار، أخبرني بذلك يوماً شريكه في اتفاقية مورفي – الأسد المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ريتشارد مورفي: كارتر، هنري كيسنجر، وكثيرون أجمعوا على حكمته.. والحق ما شهد به الأعداء.
لا داعي للحديث هنا عن السياقات منذ نشأة المؤامرة حتى أفولها، لقد كبرت المشكلة السورية لأنها لم تكن طبيعية، ولأنها مفتعلة حرّكت تناقضات المنطقة والعالم.. القضايا التي تهزّ النظام الدولي هي محاولة إمبريالية لتغيير قواعد الاشتباك الدولي، لا شيء هنا تلقائياً سوى ما يحصل في رؤوس الأغبياء وشاشات المفترين.
لم تكن زيارتنا الأخيرة للسيد الرئيس بشّار الأسد أمراً متوقّعاً.. لفيف من العلماء من مختلف الأقطار تمّ إدراج أسمائهم في قائمة الزيارة بعناية لطيفة من بروتوكول القصر الجمهوري، وفي عزّ المواجهة ننطلق لنجد السيد الرئيس في استقبالنا من دون أي إجراء تفتيش روتيني.. سورية إذاً بخير بخلاف ما يصوّره إعلام تحدثنا عن مغالطاته منذ 8 سنوات من الحرب حتى بححنا..
ميزة هذه الزيارة أنّها تتعلّق بعلماء وقادة الشأن الديني.. قيمتها في أنّها تؤكّد أنّ السيد الرئيس بشّار الأسد ليس معزولاً دينياً، بل كأننا في وضعية يصح فيها القول: «لكم دينكم ولي دين».. الدين هنا له فهم آخر ورؤية أخرى، وهذا ما قلته في حضرته: ألا يُترك الدين للرجعية، فليكن ثمة لاهوت تحرير هنا أيضاً.. هنا سأحاول أن أعرض -ومن خلال هذا اللقاء- رؤية الرئيس الأسد للمسألة الدينية وكيف أنّه يحمل منظوراً رصيناً للدين..
في زيارات سابقة للرئيس الأسد لاحظت أنّ هناك اهتماماً ومتابعة ورؤية تأمّلية واضحة يتمتع بها سيادته حيال القضية الدينية، لكن ما يميز هذه الزيارة أنه كان يخاطب علماء من أهل الاختصاص، باشر الحديث عن الحوار في الدين، ورأى أنّه لا حدود للحوار في الدّين، وسرد حكاية عندما كان طالباً في بريطانيا وأثناء حديث له مع زميلة سورية كانت منفتحة لكنه لاحظ أنها أثناء الحديث كانت متحفّظة حيال بعض الموضوعات المتعلقة بالدين، فكان رأيه أنّ الحوار في الدين مفتوح، وللتحقق من ذلك بعث بهذا التساؤل إلى سورية ليعرف رأي علمائها، فجاءته رسالة من ورقة ونصف الورقة من الشهيد د.محمد سعيد رمضان البوطي، وفيها إقرار بأن لا حدود للحوار في الدّين.. تحدّث عن الجهل وعن تصدّي الجهّال للشأن الديني، فحين يسود الجهّال يكون التّطرّف.. وللقضاء على هذا الوضع لابد من العودة إلى جوهر الدين.. هذه العودة هي التي تحمينا.. التوحد حول القرآن.. حول الله وسلوك الرسول..
في نظر الرئيس الأسد ليس هناك كفار في المجتمع، هناك فقط أناس لهم إيمان قليل، والاعتدال لا يمكن أن يقوم على أساس الانغلاق.. يقول: حين حررنا بعض المناطق التي كانت تحت هيمنة الجماعات المتطرفة فوجئنا ببعض الأفكار لدى تلامذة المدارس بعد أن تمّ تغيير برامج التعليم وتلقينهم فهماً متطرفاً للدين، هذا خلاف الاعتدال الذي ميّز علماء بلاد الشّام، المشكلة تكمن في غياب منابر للحوار، وللأسف سائر هذه المنابر وهّابية.
يتحدث الرئيس الأسد عن إشكالية المرجعية فيقول: حينما يُشكل علينا أمر في الشأن الديني أعود لوزير الأوقاف والعلماء، لكن هؤلاء إلى أي مرجعية يعودون؟ كأنه يضع يده على الفوضى التي يعرفها الشأن الدّيني.. فمن يا ترى يتحمّل مسؤولية التّطرف؟
يقول الرئيس الأسد: نحن جميعاً من يتحمل المسؤولية.. يقول أيضاً متوجهاً إلى الوفد العلمائي: نحن دولة، نحن نمارس السياسة.. مرة هكذا ومرة هكذا -يضحك- نحن إنما نعتمد عليكم أنتم.. ذلك بعد أن قال: إن الدين مقدّس وهو لكل العصور والأجيال بخلاف السياسة فهي لمرحلة معينة.. هو يقول: إننا أخطأنا نتيجة الأحداث الدامية التي فجرها «الإخوان»، وكانت لنا نحن شباب سورية يومئذ ردود فعل كبيرة على تلك الأحداث، ما جعل هناك نفوراً عاماً من ذلك الفهم الخاطئ للدين، والحقيقة هي أنّنا أخطأنا حين لم نميّز يومئذ بين الإيمان و«الإخوان»..
تساءل عمن هو العالِم المعتدل وما هو معيار التعرف على العالِم.. هناك من العلماء من تمت المراهنة عليهم، لكن تبيّن في نهاية المطاف أنهم نصّابون، إنّ حالة الإرهاب التي ابتليت بها سورية في نظر الرئيس الأسد تتطلب وقفة تأمّل.. يرى أنّ بعضاً من هؤلاء الإرهابيين لصوص، لكن بعضهم متدين ومقتنع بمواقفه ويرى نفسه على حقّ.. لا يكفي في نظره أن يقال إنهم مجرمون.
تحدّث السيد الرئيس عن قضايا أخرى تتعلق بالفهم الديني.. هو لا يرى تناقضاً بين العلم والدّين، فالقوانين الفيزيائية هي قوانين إلهية أيضاً، فالنص والعلم من الخالق نفسه.
تحدث السيد الرئيس بشّار الأسد كثيراً عن هذه القضايا بوضوح: الحوار، الاعتدال، التأمل، تحمل المسؤولية.
في تلك الأثناء كان لي حديث أيضاً وتساؤلات عرضتها أمام فخامته.. كان اللقاء قبل ساعات من العدوان الثلاثي، لعلها من المفارقات حينما كان ترامب يلوّح بقصف الشّام كان الرئيس الأسد يخوض في حوار فكري مع العلماء ينصبُّ حول الآفاق الحضارية ونبذ التّطرف.. كان حديثي عن أهمية الصمود السوري والتضامن مع سورية التي تواجه عدواناً دولياً يستهدف وحدتها وكيانها.. كما قلت للرئيس: لقد وفّيتم بقَسَمين: قَسَم أبقراط لكونكم طبيباً يعالج حتى خصومه بأمانة، والقَسَم الدستوري لكونكم دافعتم عن سيادة بلدكم بامتياز.. تحدثت أيضاً عن أهمية العناية بالشأن الديني وعدم ترك الدين للمجهول، تماماً كما سبق أن تساءل الرئيس: عن أي ثورة يتحدثون، فنحن الثورة؟ يجب ألا يترك للإرهاب شيء من الدين أو من الدنيا.. فمقابل الغزو والإرهاب لابد من أن ينهض لاهوت التحرير.
وبعد حديث مطوّل، سألت الرئيس الأسد سؤالاً أردت أن أتأكّد من الجواب مباشرة من دون تكهّن أو عنعنة.. قلت للرئيس الأسد: علمنا قبل اندلاع الأحداث في سورية عن زيارة الشيخ القرضاوي لكم، أريد أن أعرف ماذا قال لكم؟ ضحك الرئيس الأسد وقال ما معناه: لقد قال أشياء كثيرة.. لقد كاد يجعل منّي نبيّاً.. وتذكر حكاية شيخ آخر من «المنشقين» إن لم تخنِّ الذاكرة يتعلق برئيس رابطة علماء الشام الموجود حالياً في تركيا الشيخ أسامة الرفاعي، الذي قبل أن يصبح منشقاً ومناهضاً ل«النظام» سبق أن جعل الرئيس الأسد بمنزلة النّبي ومن زوجه عائشة..
ولم أستغرب من جواب الرئيس الأسد بخصوص هذا الحديث، فلقد زار القرضاوي الرئيس القذافي في 2003 و2011 وفي هذه الأخيرة قال له الكثير وتلقى مبلغاً، حسبما أخبرني بعض الأصدقاء من منسقي اللقاء، بأنه تلقى من القذافي مليون دولار (كاش).. لكنه ما إن بدأت الأحداث بشهور حتى أفتى بقتله.
كنت قد لمست من الرئيس الأسد ميلاً للمتابعة والاطلاع، فهو مثقف وقارئ، سبق أن أخبرني أحد الوزراء السوريين سابقاً بأنه قارئ جيد ومتابع، لذا أهديته ما كان متيسراً لي من مؤلّفات تقبلها قبولاً حسناً:
– ربيع الممانعة: مقاربة جيوستراتيجية للحرب على سورية من 2011 حتى 2014.
– بؤس «الربيع العربي»: مقاربة فلسفية وجيوستراتيجية للثورات العربية.
– سرّاق الله.
أبدى الرئيس الأسد اهتماماً بينما كنت أشرح له محتوى تلك الكتب، وقال: إذا كنت تكتب فنحن مستعدون أن نقدّم لك ما تحتاجه من المعطيات.. حيوية رئيس مسؤول يقدّر الثقافة ويحمل رؤية ويدافع عنها.. وحين قدمت له كتاب «سرّاق الله» قلت مازحاً: هؤلاء الذين ابتليتم بهم ويحاربونكم.. كانت حتى ذلك الحين ملامح الثقة بالنفس والسعادة بادية على محيّا رئيس كان حتى تلك الأثناء هدفاً لعدوان ثلاثي يحوم حول سوريّة.. وعند توديعه أسررت له بعبارة معناها: أحدّثك حديث مجذوب مغربي، أعلم أنّه لن يصيبكم مكروه.. منصورون بإذن الله.. أحبّ أن أؤكّد أنّني مطمئنّ لما أقول.. رأيي في السيد الرئيس الأسد مبنيّ على حدس عميق بأنه سيكمل مسيرة الدفاع عن بلد تعرّض للعدوان، والعدوان قبيح وأقبح منه الإصرار على تخريب بلد عربي عريق في التّاريخ الحضاري وراسخ مكين في المعادلة الإقليمية.. تضامني مع سورية نابع من أقدس مشاعري، ويقيني بالنصر ومقتي للعدوان حيثما كان، شرط أن أكون مقتنعاً بعدالة القضية.. وفي سورية كنت ومازلت موقناً بعدالة القضية السورية.. ترى ماذا دهى العرب في ليل هذه الفتنة العربية، هل يا ترى تستحق سورية كلّ هذا الجفاء؟ ألم يحن الوقت بعد للكفّ عن مبالغاتهم لكي يوقفوا هذا العدوان؟
لقد كان لي شرف كبير أن عشت مزاج التّرقب لعدوان ثلاثي كان يستهدف بلداً آمناً.. وقد قلتها أمام الرئيس الأسد قبل ساعات من العدوان: نحن ننتظر هذا العدوان ونتمنّى لو نموت هنا.. لم يكن لديّ أي شعور بأنّ هذا العدوان سيتجاوز مداه في معادلة توازن الرعب.. قبل العدوان بساعات أيضاً تحدثت «للإخبارية السورية» من معبر الوافدين قرب الحافلات التي تنقل بقايا الإرهابيين المنحدرين من دوما، وأكدت أنّ الضربة لن تكون ذات أهمية كبيرة، فالمعادلة أصبحت واضحة، وقرار حرب كبيرة في المنطقة لم يعد في ملك طرف من دون آخر.. القصة الكاملة لسورية في لجة هذا العدوان طويلة جدّاً..
ودّعنا الرئيس الأسد في عرينه في أجواء ملؤها الاطمئنان بالنّصر.. ساعات والنّاس نيام بعد أن أحيوا ليلة الإسراء والمعراج لتنطلق صواريخ «توماهوك» باتجاه مركز الأبحاث العلمية في برزة ومطار المزة، في صبيحة اليوم التالي كان الأسد يباشر عمله في مكتبه بهمّة الأبطال، كأنّه يؤكّد للعدوان أنّ عرين العروبة بيت حرام… وعرش الشموس حمى لا يُضام..

  • كاتب من المغرب
print

مقالات ذات صله